تتوالى السنوات وتتعاقب الشهور، ويبقى شهر رمضان حافلا بالمواقف والقصص، زاخرا بالذكريات الجميلة التي لا تزال محفورة في نفوس الأشخاص، والتفاصيل الحاضرة في مخيلتهم، إضافة إلى أنهم هم من نسجوا سيناريو الأحداث وكانوا احد أبطالها، فشهدت الساحات مراتع طفولتهم وفترات من شبابهم ، واحتضنت ألوانا عديدة من الألعاب والممارسات الطريفة التي لازمتهم خلال شهر رمضان، فالفريج وساكنوه بمثابة العناصر الأساسية التي تتشكل منها الأحداث.
وضيفنا علي صقر السويدي - رئيس مجموعة الإمارات للبيئة البحرية يتمتع برصيد وافر من الذكريات الجميلة في رمضان على وجه التحديد، ولا يزال يتذكر الطقوس الرمضانية التي كان يمارسها في أيام الصبا والشباب مع رفاقه في الفريج، والتفاف أبناء المنطقة حول بعض لإحياء روح التواصل التي اعتاد المجتمع الإماراتي على تعزيزها والمحافظة عليها في المناسبات، وقال:
إن من ابرز ما يميز رمضان في الماضي توزيع الهريس على أهالي الفريج، واذكر حينها أن جميع الأهالي يتوجهون إلى المكان الذي يعد فيه طبق الهريس، حاملين أوانيهم معهم للحصول على نصيبهم، وكان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد ال مكتوم يحرص على توكيل احد رجاله المعروفين للإشراف على إعداد الطبق الشعبي الشهير في كل فريج.
وفي فريج المرر الذي احتضن مراتع طفولتي وشبابي كان راشد عبدالله بن حسين بن لوتاه يقوم بالإشراف على إعداد وتوزيع الهريس على الأهالي، حيث كانت تلك العادة من الأساسيات التي لا يستغني عنها الجميع، كما كان الناس يتذوقون الهريس من رمضان لآخر وفي المناسبات.
تكافل اجتماعي
وأشار السويدي إلى أجمل الذكريات التي تأبى الذاكرة أن تنساها، هي تلك التي تعود به إلى الوراء ليعيش في عالم الذكريات المنسوج بتفاصيل بارزة تتجلى فيها المعالم والقيم الجميلة التي يفخر بها المجتمع الإماراتي وخاصة في رمضان، فذكريات رمضان تستثير في النفوس الشوق للعودة لذلك الزمن الذي غيرته طبيعة الحياة، وروى عن استعداد الناس لرمضان، حيث يهم الجميع بالمشاركة في (دق حب الهريس) ويهتم الآخرون بذبح الذبائح وإعداد الولائم الرمضانية المفتوحة عند المساجد.
وكانت الذبائح توزع على الفريج ولا يلجأ الناس لتخزينها لعدم توفر البرادات، حيث كانت تطهى وتؤكل في نفس اليوم، وهو دلالة على تراحم الناس وتضامنهم واهتمامهم ببعضهم البعض، فلم تكن هناك ضغائن بل كانت النفوس صافية، فبساطة الحياة التي عاشها في الماضي كان لها بالغ الأثر في تقوية العلاقات الاجتماعية، حيث يتشارك الجميع في الأفراح والأحزان، وتختلط الأسر فيما بينها، ما يؤكد عمق العلاقات الأخوية بين أهالي الحي أو المنطقة وأصالة الشعب الإماراتي الذي حافظ على تلك العلاقات ما ساهم في تناقلها عبر الأجيال.
صلاة الجماعة
ويتجلى التلاحم الاجتماعي في رمضان في عدة صور، أهمها التواجد الكثيف في المساجد، ما يعزز الرابط المتين بين الشعب ودينه، وفي رمضان تمتلئ المساجد بالمصلين صغارا وكبارا، وكان الصغار يحرصون على صلاة الجماعة وذلك ناتج عن التربية التي أحسن الآباء وكبار المنطقة في غرسها في نفوس الصغار، كما يلتقي الشباب في الفرجان للعب.
ومن الألعاب الشعبية التي كان يحرص الشباب على النافس فيها «الكراة والدارابي والدواره» وكلها العاب تتطلب مهارة جسدية وتركيزا قويا، وكانت الأجواء ودية وأخوية لا تفرق بين احد، كما كانت السهرات واللقاءات والزيارات الليلية التي تمتد لساعات متأخرة من الليل تحلو في رمضان، فتعج المجالس بالحضور، فهو شهر اللمة والتواصل.
حيث تتجدد الروابط الاجتماعية في رمضان وتتعزز المشاعر الدينية وتتجلى في عدة صور أهمها التسامح والتكافل والتلاحم بين الأفراد، وينطبق ذلك على موائد الإفطار المفتوحة المقامة عند المساجد، قائلا:
كنا نفطر في مسجد الفريج، واذكر أن البيوت تكون مفتوحة للضيوف، فأهالي الفريج لا يتركون الغرباء لإعداد فطورهم، بل كانوا يدعونهم للمشاركة في موائدهم، ما يجسد مفهوم الترابط الأخوي بين أفراد المنطقة.
دبي - نادية إبراهيم:
