على سفوح سلسلة من الجبال التي تفصل بين إمارتي الفجيرة ورأس الخيمة، تتوزع مجموعة من البلدات الصغيرة المحمية بمزارع تكسوها الخضرة من النخيل والمانغو «الهامبا»، فيما تحتفظ آلاف العائلات هناك بعادات وتقاليد لا تزال مميزة بين مختلف إمارات الدولة، ففي رمضان من كل عام، يلتقي الصغار والكبار هناك على مائدة مشتركة تقام في المسجد أو بالقرب منه، وتسمى «المفطر» الرمضاني اليومي، ناهيك عن الفطور والغداء الجماعي طيلة أيام العيد من كل عام.

والمفطر عند أهالي منطقة مسافي وما جاورها من القرى الجبلية، هو تقليد متوارث أباً عن جد، ويستعد له الكثيرون أملاً في عيش أيام رمضانية مختلفة، حيث يستعيدون سنوات كثيرة من ذاكرة الماضي التي لا تفتأ ترافق أبناء تلك المناطق رغم وجود الطفولة التي سُرقت منها الكثير من الأحلام الأصيلة بسلاح العصرنة والحداثة. مشاركة وانسجام في رمضان تهتم العائلات الإماراتية التي تتوزع على سفوح جبال رشيقة وتكتسي بظلال غابات خضراء من المزارع القديمة، بتجسيد مختلف الملامح التي عاشها الأجداد والإبقاء عليها مشتعلة في نفوس الصغار قبل الكبار..

وفي كل بيت تهتم الأسر بصنع الخبز الإماراتي التقليدي «الرقاق»، وتجتهد الأمهات والبنات معاً في طبخ عدد من الأصناف الغذائية قبل أن يتم نقلها إلى المفطر الذي يجتمع عليه أهل الحي كباراً وصغاراً، وبذلك يعيش الجميع حالة تقارب وانسجام ومشاركة لا تكاد تفارق قلوب وعقول الجميع هناك.

وقال علي محمد بن خلفان المحرزي الذي يعمل في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في منطقة مسافي، وهو أحد أبناء تلك المنطقة إنه عايش منذ لحظات طفولته المبكرة أجواءً رمضانية لم تتكرر في المدن أو في المناطق الأخرى من الدولة.

ففي مسافي وما جاورها من القرى الصغيرة التي يتجاوز عددها عشرة بلدات، يأخذ الجميع على عاتقه البقاء في أجواء رمضانية لا تكاد تفارق المشهد المتوارث منذ عقود طويلة، فالصغار والكبار يلتحقون بمفطر وحيد خارج البيت،.

ويشاركون المقيمين من الموظفين والعمال على مائدة واحدة، أما النساء فتختار أحد منازل الحي من أجل الإفطار فيه، وبذلك يحافظ الجميع على نسق واحد من التراحم والتواصل في رمضان، وهو ما لا يمكن التخلي عنه حتى في العام 2010، وإن بدت الأمور على غير ما كانت عليه في السابق من حيث حجم الالتزام والمشاركة، والسبب انشغال البعض في أمور العمل والابتعاد عن الجماعة.

التخلف مرفوض

ويؤكد المحرزي أن أهل الحي في السابق لم يقبلوا فكرة أن يتخلى عن حضور المفطر الجماعي أحد من السكان، وإلى الآن تجد وصفاً يطلقه كبار السن على من لم يحضر وهو «فلان ثعلب» لأنه لم يخالط الجماعة في فطور رمضان.

مشيراً إلى أن منطقة مسافي أو شعبية مسافي التابعة لرأس الخيمة، تحظى اليوم بوجود ثلاثة مفاطر يتشارك فيها السكان المواطنين مع المقيمين في كسب الأجر قبل التراحم والتواصل الإيجابي بينهم، وهناك مفطران واحد في المسجد، وآخر توفره إحدى العائلات في خيمة على الشارع العام من أجل توفير طعام الإفطار الرمضاني للمزيد من المارة.

وفي عسمة ودفتا والطيبة، كما في مسافي وغيرها من البلدات المجاورة، لا يزال السكان متشبثين بعادات رمضانية نبيلة، فجميع تلك المناطق تعرف على أنها جبلية وأهلها يتشاركون في عادات وتقاليد واحدة، لا سيما وأنهم مرتبطون بصلات قرابة ونسب ومصاهرة، وبالتالي فإنه لا شيء يمنعهم عن التواصل الدائم فيما بينهم.

«مرامس» يومية

سلطان المزروعي من بلدة عسمة الجبلية ويعمل معلماً في مدرسة مسافي، يؤكد أن مسألة التزاور بين السكان والتجمع في بعض المجالس تحت قبة ما تسمى بالـ «مرامس» لا تزال ميزة إيجابية تجمع أهل تلك المناطق الجبلية على هيئة رجل واحد، وهناك جلسات تسامر يومية تعبر عن تمسك إيجابي وتواصل فعال بين مختلف العائلات المواطنة، وفي الفترة ما بين العصر والمغرب في رمضان وغيره لا أحد يتخلى عن البقاء في أجواء من الألفة والمحبة التي يصنعها الشواب قبل الشباب في مجالس أو مرامس تلك البلدات الجبلية.

ويضيف المزروعي أن المفطر الجماعي الذي يزين تلك البلدات خلال شهر رمضان المبارك، يكون في الغالب إما في المسجد أو ساحة قريبة خارجه، وفي بلدته الصغيرة في عسمة فقد تشارك السكان في تشييد مفطر تظلله الأشجار في ساحة المسجد، الذي يلقى إقبالاً كبيراً من السكان من أجل التواجد فيه لأطول وقت ممكن.

التزاور والتراحم

محمد سالم العبدولي مواطن من بلدة الطيبة الجبلية التابعة لإمارة رأس الخيمة يرى أن حجم التزاور في الماضي كان أكبر بكثير عنه لدى الشباب اليوم، وإن ظل الأمر قائماً لدى الجيلين، أما المفطر الرمضاني فهو تقليد تجتمع عليه الأسر قاطبة وهو نهج متوارث عن الأجداد، وكل أب صغير أو كبير تراه يحرص على اصطحاب أبنائه للمشاركة في المفطر الرمضاني من أجل ترسيخ تلك الملامح على المدى الأبعد.

وفي حال المرض أو أي أمر آخر تجد المواطنين جميعاً يتفقدون المصاب في مختلف الأوقات، والجميل في حياة أهل تلك القرى والبلدات الصغيرة أن الجميع يسأل عن الجميع، وبالتالي تظل ملامح التزاور والتراحم قائمة إلى أبعد حد، وحتى المقيمين في تلك البلدات قد تشربوا من عادات أهلها الكثير، وأصبحوا يشاركون الاهالي في مختلف المناسبات.

ويجمع المحرزي والمزروعي والعبدولي أبناء المناطق الجبلية تلك على أن خصوصية الشهر الفضيل في قراهم ربما لا تتكرر في الكثير من مناطق الدولة، ولا يمكن مقارنتها مع الأجواء العامة في مختلف مدن الدولة، حيث إن التقارب والتراحم في تلك القرى الصغيرة يبدو في غاية الإيجابية بينما تجد أن الجار لا يسأل عن جاره في كثير من المناطق..

والشيء المهم من وجهة نظر المحرزي هو أن شهر رمضان المبارك الذي يحفز النفس البشرية على العطاء دائماً، يدفع في المقابل العديد من العائلات للسؤال عن عائلات أخرى كثيرة من أجل تقديم المساعدات المادية والعينية لها، المواطن يبحث عن المواطن المحتاج مثلما يقدم المساعدة للمقيم والعامل.. وفي النهاية تنفرد مناطق مسافي وما جاورها بأجواء رمضانية قلما تتكرر في مناطق أخرى.

عادات أصيلة تستقطب المقيمين في المدن

العيد في مسافي والبلدات القريبة الأخرى، يحظى ببهجة مختلفة عنه في أي من مناطق الدولة، كما يوضح علي المحرزي، الذي يقول إن أقارب له يقطنون في المدن يحرصون خلال أيام العيد على جلب أبنائهم والعودة إلى القرى للمشاركة في أجواء العيد البهيجة، فبعد انقضاء صلاة العيد يصطف الجميع في المصلى للسلام على الحاضرين قبل أن ينتقلوا جميعاً وعددهم بالمئات للمشاركة في الفطور والغداء الجماعي الذي يتواصل على مدار ثلاثة أيام العيد.

تلك الملامح الإيجابية تترك في نفوس الكبار كما الصغار مزيداً من الثقة والبهجة للبقاء في أجواء سعيدة خلال أيام العيد، حيث تجد ملامح التراحم تزاحم نفوس الجميع، وهو ما يحظى بثقة العديد من الكبار والصغار كما يوضح المحرزي.

وفي كل بيت تهتم الأسر بصنع الخبز الإماراتي التقليدي «الرقاق»، وتجتهد الأمهات والبنات معاً في طبخ عدد من الأصناف الغذائية قبل أن يتم نقلها إلى المفطر الذي يجتمع عليه أهل الحي كباراً وصغاراً، وبذلك يعيش الجميع حالة تقارب وانسجام ومشاركة لا تكاد تفارق قلوب وعقول الجميع هناك.

مسافي - عنان كتانة