ثمة موضوعات تتمدد حولنا تناوش احلامنا، وتستفزنا للحديث رغم كل محاذير الخوض فيها، والخوف من الغرق في ظلمات عواقبها، ولا ندري إن كانت الظروف أم القوانين عرقلت الحلول عن بلوغها، وكلما حاولنا أن نضع نهاية لهذا التشتت في اتخاذ قرار أو الوقوف على الوضع بشكله النهائي وحصره في بقعة، تحركت الكتلة الزئبقية المتكاثرة وتبعثرت أمام أعيننا، بشر لهم احتياجات وغايات وآمال وأهداف، ولهم مخططات، ولديهم مسؤوليات وواجبات وتنقصهم الحقوق.

كيف لا، وهم ليس لديهم ما يثبت وجودهم الشرعي على الأرض، فيستحقوا الوثوب والسعي على أرضها والتمتع بمنها وأمنها، أي ليس لديهم بقعة يقفون عليها بحكم القانون بثبات دون أن تميد بهم ذات صباح أو مساء، وينتمون إليها، يلجؤون إليها، هم كالمعلقين بحبال الأماني، كدمى العرائس في صندوق الحياة تتقاذفهم القوانين، فتارة إلى جزر القُمر، وأخرى إلى أحلامه.

ورغم الارتباط والنُسُّج الاجتماعية التي تلمهم، والتراكم الذي شكله الاحتياج إلى ضرورة الانتماء؛ ما تزال أقطاب التنافر تدور بهم بين التجاذب والتنافر، وكأن الحس الذي يحملونه لمشاعر احتياجاتهم، واضطراب نفسياتهم، لا يعني أحداً، وكأن أحداً لا يرى النزيف المستتر والمستشري وأولئك الشاهدين على تتابع السلالات والأجيال التي تندلق من أرحام الوعود لتلعب دور الارتباط بالأرض.

مفارقة أن تجذب الأرض بشراً من كل حدبٍ وصوب، وتمنحهم فرص العمل والتجارة والتوازن، المادي والمعنوي والإنساني، ولا تعتني بمن دب عليها مذ كانت الأرض بكراً.

فلم لا تلتفت إلى من تشبعت دماؤهم من خيرات هذه الأرض، وتراكمت ذكرياتهم من الفرجان والسكيك والغاصة والسّيف، ومشاكسات المدرسة والشغب مع الأقران، وحكايات الجارات عن ظهور النفط والاتحاد، ورحلة الشتاء والصيف بين البحر والبر السيفة والنخل. إنهم ينتظرون بفارغ الصبر مع بعض أمنياتهم بالاستقرار.

مفارقة أن ينجذب للأرض بشر من كل صوب، بل وتصير وجهة ومراداً، بينما تبقى هذه الفئة مع الرمل والذكريات معجونة بالأماني، كعروسة معلقة بحبال الهوى، يراقصها الألم، عبر أصوات في الإذاعات برسائل مفتوحة على أمل أو وهم الالتقاء بصديق قد يكون جاراً آثر الارتحال إلى الفضاء لعله يقف بجانبه فيبحث معه عن حلول وعن صوت وصيرورة، وقد يساعده في رحلته الأخيرة للبحث عن الذات خارج حدود الأرض وربما للقمر.

إنها كوادر معجونة بالرغبة في الانتماء، غاياتها فرصة لاستقرار، مع الآخر، فالأرض في الأصل التقاء للخطى، ولا ضيرَ من وضع الشروط وتشديدها تحسباً لأي اختلال في النفس وفي الذات، ولتكن فرصة لهدنة النفوس المتناثرة وحصرها بلا تجاهل حالات ونماذج التطاير البشري بتنافر مع أن فطرته مجبولة على التجاذب.

عائشة مصبح