الحياة الاستثنائية التي عاشتها الطبيبة كارين ووه التي تحولت من الرقص إلى العمل بالجراحة، ومن ثم إلى كتابة المدونات، فقتلت أخيرا في أفغانستان، تبدو كرواية مؤثرة بشكل خاص، ولكن هذا يظهر أنه في حرب القرن الحادي والعشرين، يتحول الواقع، بطريقة ما، إلى خيال، على الصفحات وفي محال بيع الكتب، وفي ميدان المعركة.

إن إحدى الضحايا التي لا يُلتفت إليها كثيرا في الحرب في العراق وأفغانستان، هي عملية تجسيد تلك الحرب في قالب روائي. فلم يظهر عمل روائي واحد محترم، بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب والمعارك المتواصلة على الجبهتين. هذا مع أن الأشكال الأدبية الأخرى التي تتناول الحرب مزدهرة بشدة. فالروايات عن الأخلاق والحب والمغامرات والكوميديا، تحقق شعبية غير مسبوقة، لكن الرواية الحربية، إذا لم تكن ماتت، فإنها بكل تأكيد في سبات تام. ولم يعد هناك كتاب مثل جوزيف هيللر أو إيفيلين ووه يستطيعون محاكاة عبثية الحرب، وليس هناك كتاب مثل نورمان ميلر أو إرنست همنغواي، ليرسموا لوحة لفظائع وأهوال المعارك، وليس هناك أيضا كتاب مثل روديارد كيبلنغ أو جي إيه هينتي ليبدعوا في تخيل بطولات وتضحيات الحرب.

وبدلا من تفقدهم مواقع المعارك المعاصرة، قبل كتابة رواياتهم، فإن من يكتبون عن الحرب هذه الأيام يميلون إلى الاستعانة بما حدث في حروب سابقة، مثل رواية سيباستيان فولكس وبات باركر عن الحرب العالمية الأولى، أو رواية إيان ماكوين عن الحرب العالمية الثانية. استقصى كتاب الروايات أسباب الحرب في كل من العراق وأفغانستان، والتداعيات السياسية وطبيعة الإرهاب، لكنهم لم يقدموا عملا كبيرا على الإطلاق عن مناطق بعينها في العراق أو عن منطقة (هلمند) في أفغانستان.

مشاهد الحرب، وبكل تأكيد، تم سردها، ولكن ليس بأقلام كاتبي الروايات. هذه المهمة اضطلع بها كتاب غير روائيين، وأخذت شكلا أدبيا جديدا، هو (قصص الحرب غير الروائية)، والذي تبلور في السنوات الأخيرة، ليكتسح كل الأساليب الأخرى أمامه، في معركة الكتابة الأدبية.

سيباستيان جونغر، وباتريك بيشوب، وسام كيللي، وباتريك هينيسي، وراجيف تشاندراسيكاران، ومارك إربان، وديفيد فينكل وآخرون، كل هذه أسماء شقت طريقها إلى النور، وفي بعض الحالات بتألق كبير لتقدم الحرب بأسلوب واقعي، وليس متخيلا.

إن تدهور الروايات التي تعالج الحرب، وهي الحدث الأهم الذي يستحق أن يقدم في شكل قصصي خلال العقد المنصرم، يعكس تحولا جذريا في المناخ الثقافي. وكما لاحظ المؤلف جيف داير، أخيرا، فإن: ( التقارير أو التغطية الصحافية المطولة، أو سمّها ما شئت، قد جعلت الرواية غير ضرورية). وأخيرا ألقى الكاتب لي سيجيل، في مقال نشرته (نيويورك أوبزرفر) ، قنبلة حارقة في أقدس منطقة من مناطق الأدب الأميركي، بإعلانه أن (الخيال الأدبي أصبح عملا لا حاجة له ثقافيا. إن أكثر كتابنا تشويقا وأوسعهم أفقا وإثارة، يكتبون سردا غير خيالي.

أعظم رواة القصص في عصرنا هذا هم كتاب الواقع.) وهناك أشكال أدبية أخرى تناولت موضوع الحرب المعاصرة، ولكن بتحيز. مسرحيات وأفلام الحرب في ازدهار. وبينما تناولت أفلام مثل (المنطقة الخضراء) أو (كيان من الاكاذيب) وقولبتها في قالب هوليوود التقليدي لأفلام الإثارة، تناول فيلم (في أعماق القلب) تجربة الحرب الحديثة بطريقة خاصة ومتميزة إلى درجة كبيرة.

الصور القادمة من الحرب في العراق وأفغانستان شكلت الوجدان العام بقسوة، كما يبدو في الصورة التي وردت من أفغانستان أخيرا لامرأة مجدوعة الأنف على غلاف مجلة (تايم).

هذه الحروب أفرزت شكلا جديدا من التغطية السردية شبه الروائية مثل، (ميليبلوج) ، والمذكرات المنشورة على الانترنت، من قبل جنود شاركوا في المعارك، مقدمين أخبارا وقصصا تتسم بالآنية، إلى درجة أن رؤساءهم من كبار القادة حاولوا، في فترات مختلفة، منعهم من ذلك. وعلى العكس من ذلك فإن صمت الكتاب الروائيين يصيب الآذان بالصمم.

كتاب الرواية والشعراء ليسوا مضطرين للكتابة عن الحرب، بالطبع، ولم يكونوا مضطرين لذلك عبر التاريخ أيضا. القصص، سواء كانت في شكل ملاحم أو روايات أو أشعار، هي الأدوات التي استخدمتها البشرية على الدوام للحفاظ على ذاكرتها، ولإضفاء صبغة أخلاقية على تجاربها ولإضاءة وتجسيد أحداث صاخبة. وبداية من ملحمتي (الإلياذة) و(بيولف) فصاعدا، انتهج الكتاب أسلوبا سرديا لتصوير المعارك، والحرمان، وويلات الحرب، وأيضا صفات الشجاعة والجبن، والمسؤولية الأخلاقية. وفي العام 1940، ادعت مقالة في الملحق الأدبي لصحيفة (تايمز)، أن العنف في الحروب جعل الكتابة عنه من قبيل المستحيل.

وجاء فيه أن (فن الرواية اليوم لم يختف تماما ولكنه موضوع على الرف إلى حين). وفي الحقيقة فقد أفرزت تلك الحرب سيلا من الكتابات الأدبية باللغة الانجليزية، أشهرها وأبقاها أثرا، جاء بأقلام كتاب أميركيين.

بقلم ـ بن ماكنتاير - ترجمة: عصام بيومي