في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية. شاكر نوري اكتشفت الإسلام في المغرب، حيث عاشت سنتين في طنجة، شمال المغرب، بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط ألمانيا، ثم عادت إلى بلدها.

واستقرت في بون لتؤلف كتابها الشهير «شمس الله تسطع على الغرب» والذي تُرجم تحت عنوان «شمس العرب تسطع على الغرب»، الذي أنصفت فيه العرب والمسلمين، وخاصة الأندلسيين، مما أدى إلى تعرضها إلى حملات احتجاجية ضدها. درست الفلسفة وعلم النفس، وعلم الأديان المقارن، واللغة الألمانية وآدابها، والتاريخ القروسطي. باع كتابها الشهير «شمس العرب تسطع على الغرب» مليون نسخة، تستعرض فيه فضل الإسلام في نشر العلوم والتراحم والسلام بين الأمم، وكيف أسس المسلمون العرب المستشفيات التي كانت تعنى بتدريب الأطباء المتدربين والصيادلة والممرضين، ولجان تقوم باختبارهم وبتخريجهم.

واشتهر الأطباء العرب في التفنن في علم التشريح ووصف وظائف الأعضاء مثل الدورة الدموية وغيرها. بدأت المستشرقة الألمانية الكتابة في بداية الخمسينات لكنها لم تحظ بشهرة واسعة إلا بعد نشر كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» في عام 1960.

العلم بين الإسلام والمسيحية

قامت المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه بعقد مقارنة بين مكانة العلم في الإسلام ومكانته في المسيحية، واستنتجت أن الكنيسة في العصور الوسطى كانت معادية تماما للعلم؛ فالكنيسة في روما، عزلت نفسها عن الثقافتين الإغريقيَّة والرومانيَّة.

وذكرت كيف أن الرسول محمد (ص) أوصى كل المسلمين بطلب العلم، باعتباره واجباً دينياً، لافتاً أنظارهم إلى علوم الشعوب كافة، بينما ذهبت المسيحية إلى عكس ذلك. «المصدر الوحيد لتلك المعرفة هو الكتاب المقدَّس».

وأوضحت زيجريد هونكه كيف وصل بهم الأمر إلى اعتبار كل من ينادي بفكرة علميَّة جديدة ـ ككُرَوِيَّة الأرض مثلاً ـ أنه كافر ضال. ولذلك، نشأ صراعٌ بين الدين والعلم في أوروبا في أواسط القرن السادس عشر، ولم يتوقف إلا عند بداية الثورة العلمية الأوروبية. وعرضت محاكم التفتيش ضد العلماء أمثال كوبرنيكس وجاليليو وغيرهما.

ومن عام 1481 حتى 1499، صدرت أحكام على الآلاف ممن عارضوا الكنيسة بالعلم. كما أصدرت قرارات تُحرِّم قراءة كتب جاليليو، وجيوردا نويرنو، ونيوتن العلمية. وقام الكاردينال إكيمنيس في غرناطة بحرق 8000 كتاب مخطوط لمخالفتها آراء الكنيسة!

في القرن التاسع عشر قال الكثير من علماء المسلمين ان الأرض كروية، وكان الدليل كما قال الفلكي «ابن حزم» ان الشمس دائما ما تكون عمودية على نقطة محددة على الأرض، كان ذلك قبل أن يكتشف غاليليون ذات النقطة ب500 عام.. نلاحظ أن ابن حزم لم يُعدم لقوله هذا عكس ما حدث مع جاليليو من الكنيسة!

استمرت القرون الوسطى نحو ألف عام، مما دفع الكثير من المفكرين والفلاسفة إلى المطالبة بهدم الكنائس من أجل الانطلاق بالعلم والتنوير. ولعل قرارات الجمعية الوطنية الفرنسية في عام 1790 بهذا الصدد، حررت الناس من سطوة الكنيسة، واجبرت رجالها الخضوع إلى القانون المدني.

لم يقف الإسلام يوماً ضد العلوم، فكان هناك فرق واسع بين الفكر الإسلامي القائم على الحرية الفكرية والصلة بين الله وبين البشر دون وسيط ـ ذلك الفكر الذي يمجّد العقل ويخاطبه ـ وبين الفكر المسيحي في العصور الوسطى الذي يصادر حرية الفكر ويضع العوائق بين الكنيسة والبشر.

ولذلك لم تزدهر الحضارة الأوروبية الغربية إلا في غصون ألف عام. ولم تبدأ إلا قبل الحضارة العربية الإسلامية بقرنين أو ثلاثة، مستفيدة من العلوم العربية والإسلامية.

وقد دعت هونكه إلى مّد الجسور بين أوروبا والعالم العربي، وعمقت فكرة علاقات العرب بالألمان، التي تميّزت منذ بداياتها الأولى، بالعلاقات الطيبة، ولم تتحول إلى عدائية حتى أثناء الحروب الصليبية.

وتعتمد هونكه في كتابها إلى إلقاء الضوء على العلاقات الإنسانية والحضارية بين شارلمان والعرب. وتوزع الكتاب على موضوعات متعددة، منها: لقاءات عربية ألمانية، الفروسية العربية والفروسية الألمانية، والحروب الصليبية، وصراع الغرب والشرق، والشهامة العربية والشهامة الألمانية، والمؤثرات العربية والحوافز الفنية العربية، والحكمة العربية والألمانية.

وتمكن كتابها أن يقرّب التبادل الثقافي بين العرب والألمان. وفي مجال الطب، أشادت هونكه بالعالم والطبيب علي بن العباس و«كتابه الملكي» : «كل ما تمناه الرازي في معالجة المرض والعمى والموت وجده في كتاب علي بن العباس الذي جاء كتابه تحفة علمية رائعة، جمعت بين عمق كتاب «الحاوي» وكتاب «المنصوري»...

وركزت على عبقريته، المتجسدة في تبحُّره ومكانته الفائقة في الطب، ومنهجه المعتمد على الدراسات السابقة، وخاصة ما ألَّفه اليونانيون في هذا المجال، بالأدلة العلمية.

وتقتطف من أقوال علي بن العباس في كتابها حول مخطوطات الأطباء القدماء «لم أجد بين مخطوطات قدامى الأطباء ومحدثيهم كتابا واحدا كاملاً يحوي كل ما هو ضروري لتعلُّم فنِّ الطب؛ فأبقراط يكتب باختصار، وأكثر تعابيره غامضة بحاجة إلى تعليق...

كما وضع غالينوس عدة كتب لا يحوي كل منها إلا قسما من فنِّ الشفاء، ولكن مؤلفاته طويلة النفس، وكثيرة الترديد، ولم أجد كتابا واحدا له يصلح كل الصلاح للدراسة... لذا سأعالج في كتابي كل ما يلزم للحفاظ على الصحة وشفاء الأمراض، والمستلزمات التي يجب على كل طبيب قدير ونزيه أن يعرفها».

الأرقام العربية في أوروبا

كما تحدثت في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» عن رحلة الأرقام العربية، من نشأتها إلى انتشارها في أوروبا.» لا يزال الألمان متأثرون بقراءة الأعداد من جهة اليمين، فهم يقرأون الآحاد قبل العشرات»،:

«من هذا الكتاب القيّم عرف العرب نظام الأرقام والأعداد الهندية. فكان الخليفة عبد الملك بن مروان قد حرّم استخدام اللغة اليونانية في أعمال دولته ودواوينها، ولكنه أبقى على نظام أرقامها وأعدادها لأنه لم يجد آنذاك نظاماً أحسن منها».

ومن خلال ترجمة علوم الجغرافيا والفَلَك للخوارزمي إلى اللاتينية، وما تلاها انتقل الصفر المشرقي كنقطة، باسمه وشكله إلى أوروبا ـ لأن الخوارزمي استخدم الأرقام المشرقية في كتبه.

«علّم الخوارزمي الغرب كتابة الأعداد والحساب الموروث من الأندلس، فانتشرت الأرقام التسعة يتقدمها الصفر». وتضيف المستشرقة الألمانية:»بوصول كتب الخوارزمي لأوروبا، كان الأوروبيون قد تعرفوا على الأرقام العربية».

نظام الترقيم المستخدم في العالم الآن ربما كان هندي الأصل.. ولكن طابع الأرقام عربي وأقدم ظهور له في بعض أعمال عالمي الرياضة المسلمين الخوارزمي والكندي حوالي العام 825، سميت ءٌهمقْف على اسم كتاب الخوارزمي «الجبر والمقابلة» والذي لا يزال الكثير من محتوياته تستخدم حالياً..

الأفكار والنظريات التي توصل لها علماء الرياضيات المسلمين نقلت إلى أوروبا بعد ذلك ب300 عام على يد العالم الإيطالي فيبوناشي. وعلم المثلثات من العلوم التي نشأت في العالم الإسلامي.

شاكر نوري