احتشدت الذكريات الرمضانية في ذاكرة الكاتب أحمد أميري بصورة كبيرة، ولم لا، فقد كان الشهر الكريم يجمع أفراد الأسرة على مائدة الإفطار، وشهد هذا الشهر مفارقات عديدة لا ينساها مهما مر عليها من زمن.

يقول أميري: لا أذكر بالضبط أول يوم صمت فيه، لكنني أتذكر أنني إلى سن السابعة لم أكن أجلس على سفرة الإفطار مع الصائمين، فلأن عددنا في البيت كان كبيراً، أبي وأمي وإخواني وأخواتي، ولم تكن السفرة تتسع لجلوس الجميع عليه، فقد صدرت توجيهات عليا بضرورة جلوس الصائمين فقط على السفرة ثم بعد أن يأتوا على كل ما هو موجود يأتي دور غير الصائمين، وأعتقد أن هذا التمييز هو كان دافعي الرئيسي لبدء الصيام في السنة التالية لأحصل على شرف الجلوس على سفرة الإفطار، لذلك فقد حرصت في السنة التالية على صيام رمضان كاملاً، وكنت أشعر بسعادة مع كل يوم حين أجد نفسي مع الكبار.

الفوازير

وعن الفترة ما بين الفطور إلى السحور يقول أحمد أميري: كنا نقضيها في مشاهدة فوازير رمضان التي كانت تقدمها في تلك الأيام الفنانة سعاد حسني مع الفنان أحمد زكي، ثم فوازير شريهان، ثم نؤدي الصلاة ومن ثم تبدأ السهرات الرمضانية التي أعتقد أنها من أجمل ذكريات حياتي، ففي كل رمضان كنا نقيم بطولة لكرة القدم في الملعب الترابي الذي كنا نلعب به بعد أن نضيء الملعب بواسطة كشّاف كبير نثبته فوق جدار بيتنا.

وكان اللعب تحت ضوء الكشاف شيئاً عجيباً، وأذكر أنني كنت أمشي في الملعب وأراقب ظلي كثيراً كأنني أول مرة أكتشف أن لي ظلاً، لأننا في بقية أيام السنة نلعب وقت العصر فقط ومن دون ذلك الظل العجيب، كنا نبدأ اللعب من بعد صلاة التراويح ولا نتوقف إلا عند الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل. ثم نعود إلى بيوتنا وننتظر وجبة السحور.

عادات

ويضيف أميري: من العادات التي كانت منتشرة في تلك الفترة عادة تبادل الأطعمة بين الجيران، وكنت مكلفاً بنقل تلك الأطباق من هنا إلى هناك. وعلى سفرة الإفطار كنا نسأل كلما فتحنا غطاء طبق من الأطباق، فيقولون لنا هذا من طبخ البيت وهذا من بيت فلان وهذا من بيت علان.

وكانت بعض البيوت مشهورة ببعض الأطباق المحببة في رمضان، فلقمة القاضي التي كانت تأتينا من بيت أحد الجيران كانت ألذ من مثيلاتها التي تعد في بيتنا، وكنت أقول لأهلي إن عليهم التسليم بهذه الحقيقة وعدم إعداد لقمة القاضي، لكنهم كانوا يعدونها لأنهم كانوا لا يضمنون أن يرسل الجيران لقمة القاضي كل يوم، ولم أكن أعرف لم لا يحصل تنسيق بين الجيران في مثل هذه الأشياء.

أما عادات رمضان على المستوى الشخصي فأهم عاداتي التي أتمنى أن تتغير هي عادة كثرة تناول الطعام على وجبة الفطور، فأنا أبدأ في تفريغ الأطباق في جوفي ما إن يفتح المؤذن الميكرفون وينفخ فيه ويقول: آلو.. آلو، أو تبدأ صورة المسجد التي تصاحب الأذان التلفزيوني في الظهور على الشاشة قبل وصول الصوت. وفي الغالب أكون جالساً إلى سفرة الفطور مفترشاً الأرض بزاوية 90 درجة، وتصبح الزاوية حادة كلما انكببت على السفرة، ثم تبدأ في الانفراج كلما آلمني بطني.

وحين أنتهي تكون الزاوية 180 درجة، أو خطاً مستقيماً مستلقياً على ظهري أذهب بعدها في غيبوبة نحو ساعة من الزمن. صحيح أن الإغفاء هكذا متعب، لكن الأكثر تعباً هو أن أقوم من مقامي، لأن كل أعضائي تتألم حتى شعر رأسي. لكنني عاهدت نفسي على الإقلاع عن هذه العادة في هذه السنة وإن شاء الله سأوفق لأن صحتي ستكون هي الضحية.

وجبات

الوجبة الرئيسية على سفرة الإفطار في بيتنا كانت الثريد، لكن أهلي كان يتفنون في إعداد أنواع وأشكال من الأطعمة اللذيذة، خصوصاً الفطائر والسنبوسك ولقمة القاضي. أما على السحور فكنا في العادة نأكل الأرز مع المرق.

يقول الأميري: بعض ذكرياتي عن الشهر الكريم تشعرني بالخجل الآن، فبعد أن صمت الشهر كاملاً من سن الثامنة إلى العاشرة، بدأت في التهرّب من الصيام على أعتاب سن المراهقة، فقد كنت ومجموعة من أصدقائي نجتمع في بيت مهجور بعد عودتنا من المدرسة ونأكل التونة مع اللبن.

ومع هذا كنت أعلن أمام أهلي أنني صائم، ومع التونة كنت أشرب من البرّاد كلما خلا الجوّ من الأعين، وأجنّد أولاد أختي وأفتي لهم بأن الماء لا يفطّر، وأحياناً الكولا، بعد أن أعطيهم درهماً ليشتروا لي علبة، ودرهماً لشراء ذممهم، ثم أشرب علبتي في الحمام الذي كنت أدخله بداعي التوضؤ.

وأثناء جلوسنا على سفرة الإفطار في انتظار أذان المغرب، كان أخي الكبير يتربص بي ويقول لأهلي إنني لست صائماً، فتتدخل أمي وتدخل في سجال مع أخي وتدافع عني لأنها كانت تصدق الدموع التي تنهمر من عيني وتعتقد أن أخي يظلمني ويقسو عليّ.

التلفزيون

يؤكد أميري أن تأثير التلفزيون على أجواء رمضان لم يختلف كثيراً في هذه الأيام عن أيام زمان، ويضيف: صحيح أن الخيارات التلفزيونية في تلك الأيام كانت قليلة، فلم تكن هناك سوى القنوات المحلية الأرضية، إلا أن التلفزيون كان سيد الموقف في رمضان.

وأذكر أنني وأخواني الذكور الصغار ندخل في مشاحنات يومية مع أخواتنا الكبار، فلم يكن في البيت سوى تلفزيون واحد يتحلق حوله الجميع، ونحن كنا نصر على مشاهدة الرسوم المتحركة، خصوصاً في وقت النهار، بينما البنات يحبذن متابعة المسلسلات المصرية، وأذكر أن أخواتي كن يتابعن مسلسل «الشهد والدموع» بينما أنا أجلس أشاغب عليهن وأسأل بين الدقيقة والأخرى عن موعد انتهاء المسلسل.

أما الإنترنت فأعتقد أن الاهتمام به يقل في رمضان، فأنا شخصياً لا أجد الوقت للإنترنت في هذا الشهر، وأكثر الذين أعرفهم مثلي لا يبالون كثيراً بالإنترنت في شهر رمضان.

دبي - أيمن حجازي