رغم اندثاره في كثير من الدول العربية والإسلامية بقي مدفع رمضان في الإمارات من أبرز التقاليد المميزة للشهر الفضيل، وإذا كان تاريخه في الدولة عرف مهمة غير الإشعار بموعد الإفطار والإمساك وذلك أنه كان لحماية الثغور في القلاع والحصون إلا أنه اليوم يجمع حوله الكبار والصغار في مواقع إطلاق المدفع ليس بحثاً عن الأمان بل استمتاعاً بتقليد رمضاني أثير، فلا عجب أن ترى البعض يفترشون الأرض ويبسطون موائد إفطارهم ويتناولون وجباتهم على «أنغام» مدفع رمضان.

ولمعرفة المزيد عن تاريخ مدفع رمضان في دبي يحدثنا الرقيب عبد ربه محمد صالح فيقول: عملت في خدمة شرطة دبي منذ أكثر من 30 عاما، وفي مجال إطلاق مدفع رمضان منذ حوالي 17 عاما، وأتذكر أن مدفع رمضان في إمارة دبي يطلق منذ أكثر من 50 عاما، وهو تقليد دأبت عليه شرطة دبي ولا يزال مستمراً حتى اليوم، وذلك من خلال أربعة مواقع منتشرة في أماكن مختلفة من الإمارة، وهي مصلى العيد بديره، وموقع الراس، وموقع الكرامة. وموقع الصفا، ويتكون طاقم كل مدفع من ثلاثة أفراد من رجال الشرطة والمسؤول عن الطاقم، والذي يتحمل مسؤوليات استلام جهاز المناداة والمتابعة.

ومن خلاله يتلقى الأوامر ببدء إطلاق المدفع، وأيضا استلام الطلقات، والإشراف التام على المنطقة المحيطة بالمدفع حتى لا تكون هناك إصابات ولو طفيفة لا قدر الله، فصوت الطلقة القوي أحيانا يؤثر على نوافذ المركبات القريبة من موقع الإطلاق. لذلك نحاول إبعاد جميع المركبات من موقع الإطلاق، وأيضا نطلب من الجمهور الابتعاد مسافة كافية من موقع المدفع، حتى لا يتأثر أحد بالصوت القوي أثناء الإطلاق، وهناك عدد من الجمهور ومنهم أطفال يحبون مشاهدة هذه اللحظة، وهذه عادة جرت منذ السنين الماضية، والبعض يرى أنها لحظة جميلة، أن يفطر على تقاليد الآباء والأجداد، وأن يعود إلى ذلك الماضي القديم، عندما كان مدفع رمضان هو الذي يعلن موعد الإمساك وموعد الإفطار، وقبل ذلك موعد دخول شهر رمضان.

وكان المدفع يطلق طلقتين في اليوم الأخير من شهر شعبان، إيذانا بموعد دخول شهر رمضان، وكما قلت إن هذا التقليد، كان يحدث بسبب عدم وجود وسائل أخرى في ذلك الوقت مما جعل المسؤولين يعتمدون على المدفع كوسيلة إشعار، في غياب الفضائيات والإذاعات التي تعلن عن موعد دخول شهر رمضان، أو الإعلان عن مواعيد الإفطار والإمساك.

وأيضا لم تكن هناك مساجد كثيرة تنشر في الأحياء والشوارع كما هو حاصل اليوم، لذلك كان المدفع هو الوسيلة الوحيدة لإعلان الناس عن هذه المواعيد، أما اليوم فقد تغير الزمن وأصبحت هناك الوسائل الحديثة وانتشرت المساجد في كل مكان، إلا أن مدفع شهر رمضان ظل الوسيلة التقليدية، التي تعيد الماضي وتذكر الآخرين بحياة الآباء والأجداد، وهو اليوم أيضا يعد من تراث الإمارات لما يحمله من دلالات ومعانٍ وطنية واجتماعية.

ويضيف محمد مبارك عبدالله أحد أفراد طاقم فريق الإطلاق: هذا التقليد السنوي يتكرر منذ عشرات السنين، وهو موزع على مناطق متنوعة في إمارة دبي، الهدف منه في الأول إحياء العادات والتقاليد القديمة، التي كان يحياها الآباء والأجداد في مثل هذه المناسبات، فقديما كان يطلق المدفع من أعلى الجبال، وفي مواقع القلاع والحصون، إيذانا بموعد دخول شهر رمضان.

وأيضا في العيد أما اليوم فقد أصبح المدفع تقليدا سنويا، رغم وجود الوسائل الحديثة، من فضائيات وإذاعات، ومساجد منتشرة في كل الأحياء والمناطق، وهي التي تقوم بدور التنبيه لمواقيت الإفطار والإمساك ومواعيد الصلاة في العيدين، ولكن يبقى المدفع التقليد الذي يعبر عن ماض بلد، وعن عادات وتقاليد كانت موجودة فعلا في الماضي، ونستحضرها اليوم بشكل رمزي.

الصيانة والتجهيز

ويضيف علي صالح المرقب من أفراد الشرطة: نحن نقوم بدور أساسي بجلب المدفع إلى موقعه المختار، وهو بالقرب من حديقة الصفا، ثم نقوم بإعداده وصيانته، وتهيئته وتجهيزه، استعدادا لإطلاقه عندما نستلم التوجيهات إيذانا بدخول وقت المغرب، وإعلانا بموعد الفطور.

ويتم الإعلان عن ذلك من خلال طلقة واحدة تطلق من المدفع، وفي حالة وجد خلل لا قدر الله، يكون لدينا طلقة احتياط، ولكن ولله الحمد لم تمر علينا لحظات مثل هذه، وفي الحقيقة نحن سعداء أنا وزملائي، أن نقوم بهذا الواجب والذي نشعر من خلاله بأنه واجب يرتبط أساسا، بإحياء جزء من العادات والتقاليد الأصيلة لهذا البلد الأصيل.

تنظيم السير

ويقول علي علوي عبدالله من شرطة المرور: دوري هو مكمل لبقية زملائي طاقم مدفع الإفطار، وواجبي أنا أسهل أولاً مرور القاطرة، التي تقطر المدفع من موقع انتقاله، إلى موقع الإطلاق بالقرب من حديقة الصفا.

وكذلك تنظيم حركة السير في الموقع، وإبعاد المركبات التي تكون عادة قريبة، تحسبا لأي ضرر والجميل أن الجمهور الذي يحضر هذا الموقع، لمشاهدة لحظة إطلاق المدفع اعتاد الحضور كل يوم قبل الموعد، بلحظات لمشاهدة هذه اللحظة، والحقيقة جميعهم ملتزمون بالنظام، بما فيهم الأطفال الذي يسعدون جدا لمشاهدة هذا المنظر، وهم فعلا يتحملون مشقة سماع الصوت القوي، ولكن أرى في وجهوهم فرحة كبيرة، في هذا اللحظة الجميلة.

فرحة الأطفال

ويقول جاسم العلي من الجمهور الحاضر: مدفع رمضان عرفناه قبل عشرات السنين، حين كانت المدافع تطلق من القلاع والأماكن المرتفعة، وظل هذا التقليد إلى السنوات القليلة الماضية، حيث اختفت مدافع رمضان في كثير من الإمارات، ولكنها بقيت في كل من إمارة دبي وإمارة الشارقة، وحل محلها الوسائل الحديثة، في إشعار الصائم بموعد إفطاره.

ولكن كتقليد تراثي ظل موجودا في إمارات الدولة منذ أكثر من 20 عاما، ومدفع رمضان يذكرني دائما بالماضي ولذلك أحرص على أن أحضر أطفالي، وأطفال أقربائي إلى حديقة الصفا لمشاهدة هذا التقليد السنوي الجميل، وأنظر كم هم سعداء بمنظر مدفع رمضان، وهو يطلق صوته إيذانا بموعد الإفطار.

ويضيف حسين احمد المنصور: تعودت أن أحضر إلى هذا الوقع، لكي أرى ومعي أبنائي مشهد لحظة إطلاق صوت المدفع، والجميل في الأمر أن الأولاد هم الذين يصرون على حضور حديقة الصفا، في هذا الوقت لمشاهدة المنظر، وأصبحت لا أرد لهم أمراً، فمنظر مدفع رمضان وهو يطلق في هذا الموعد، ليس لإرضاء الأطفال فقط، ولكن بصراحة يعيدني شخصيا، إلى الماضي البعيد، حين كان المدفع الوسيلة الوحيدة، لإشعار الناس بمواعيد الإفطار والإمساك، وحلول الأعياد المباركة.

شرطة الشارقة توزع وجبات إفطار على شهود مدفع رمضان

تقليد سنوي يعرفه أهالي الشارقة خلال شهر رمضان وحافظوا عليه عبر عشرات السنين، حيث تنطلق مدافع الإفطار في وقت واحد من الأماكن التي حدد لها، وهي من أمام قصر الثقافة، ومنطقة المرقاب، ومنطقة القرائن، ومنطقة الطلاع، وبجوار مسجد النور الواقع عند بحيرة خالد، والأمر الملفت للنظر أن كثيراً من المواطنين والوافدين يفضلون الحضور الى في هذه المواقع .

حيث تطلق مدافع الإفطار، ومعهم فطورهم، ولذلك أصبحت هذه المشاهد مألوفة لدى كثير من الناس، وأعتاد أهالي الشارقة أن يسمعوا إطلاق الطلقة الأولى عند ثبوت رؤية هلال رمضان، وطلقة واحدة طوال أيام الشهر الفضيل، إيذانا بموعد الإفطار، وطلقتين تطلقان في أول أيام العيد.

وشرطة الشارقة أعدت لشهر رمضان 9 مدافع من مختلف النوعيات والأحجام، منها 5 مدافع بمدينة الشارقة و3 بالمنطقة الشرقية ومدفع واحد في المنطقة الوسطى، وتحرص إدارة العلاقات والتوجيه المعنوي بالشرطة، على توزيع وجبات الإفطار، على الجمهور الحضور وأصبح ذلك أيضا من التقاليد المتبعة سنويا لشرطة الشارقة.

دبي - جميل محسن