في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.:روجيه غارودي.. رجل العلم والفلسفة ...مكّنه الإيمان من بلوغ التوحيد قبل اعتناقه الإسلام :على الرغم من أن المفكر والفيلسوف روجيه غارودي لا يندرج ضمن المستشرقين، فإن أبحاثه في الحضارة الإسلامية والثقافة العربية تؤهله لأن يدخل في هذا الميدان بجدارة. هذه المقالة التي قمنا بترجمتها عن الفرنسية، تلخص أسباب وظروف اعتناقه الإسلام.كثيراً ما يتردّد على أسماعي: لماذا اخترت اعتناق الإسلام؟ مثلما حصل لي مع الماركسية تعرفت إلى الإسلام من خلال الكتب قبل أن أصبح مؤمناً.

في الحقيقة، لم يكن لقائي الأول مع الإسلام في إطار المعرفة بقدر ما كان في إطار الوجود: أثناء نفيي إلى الصحراء (أُلقي القبض عليّ في سبتمبر عام 1940 في الوقت الذي لم يكن النفي والإبعاد معروفاً في ألمانيا)، وفي معسكر التعذيب في «جلفا» نظّمت مع بعض الرفاق عصياناً من أجل الترحيب بمجموعة قديمة من الألوية الدولية (تم نقلهم من معسكر «كوليو» لينضموا إلى معسكر «جلفا»).وقد قام القائد الفرنسي للمعسكر بإعطاء أوامره بإطلاق النار علينا، كانت فرقة الإعدام تتألف من المناوشين الجزائريين، وكانوا ينتمون إلى طائفة مسلمة تنحدر من الجنوب من «غرداية» يعرفون ب«العباد» أي «متطهرو الإسلام»، قاموا بتنفيذ جميع الأوامر، باستثناء أوامر إطلاق النار علينا، أو حتى ضربنا بإيعاز من القائد الغاضب، وعرفت السبب في ما بعد.إذ إن تنفيذ إطلاق النار علينا كان يتناقض مع شرف أولئك المحاربين المؤمنين، حيث إن الرجل المسلّح لا يسمح لنفسه بإطلاق النار على رجل غير مسلّح. ومنذ إطلاق سراحي في الجزائر، عكفت على دراسة الثقافة التي تجسّد هذا المبدأ وهذا السلوك.

ثقافة وإيمان

لم يكن اعتنائي بالإسلام كثقافة فقط بل كإيمان، ومن الأفضل أن أقول ك«إيمان» يفسّر انتصاراته في إسبانيا، من القرن السابع حتى القرن الثالث عشر، ليس انطلاقاً من نقطة التفوق العسكري في مواجهة أكثر الإمبراطوريات قوة وتقدّماً في التقنية، ومنها أكثر قرباً القوة البيزنطية والقوة الفارسية على سبيل المثال. يمكنني القول إن ذلك يعود إلى ثلاثة عوامل هي: التجديد الروحي. الثورة الاجتماعية والتغيير الثقافي.

ليس الإسلام ديناً جديداً وُلد مع موعظة الرسول محمد، وليس الله Allah رباً Dieu خاصاً بالمسلمين، فالله هو الرب، الترجمة الحرفية للكلمة التي تشير إلى الله الواحد، لذلك فالإسلام يعني: الخضوع الإرادي لرب واحد هو القاسم المشترك بين الديانات المعلنة: اليهودية والمسيحية والإسلام، منذ أن «نفخ الله في روح الإنسان» أي بمعنى الإنسان الأول، وهكذا يحدّد القرآن بشكل واضح، وجميع الأنبياء هم رسل الله نفسه.

ومن خلال الإشارة إلى تواصل الرسالات النبوية أو ما يطلق عليه القرآن (سنة الله)، ويأمر الله المسلمين في القرآن الكريم باحترام أنبياء اليهود ويسوع المسيحيين. يقول القرآن إن الله أرسل الأنبياء إلى الشعوب كلها، وتكلموا بلغاتها حتى تكون الرسالة مفهومة، ويمتد ذلك إلى «الشعوب التي لم يتحدّث عنها في الكتاب» مثل حالة الهند والصين على سبيل المثال.

واجبات وحقوق

إن الرسالة الاجتماعية التي جاء بها المجتمع هي جوهر «الشريعة»: أن الله وحده الذي يملك، وأن الله وحده الذي يأمر، وأن الله وحده الذي يعرف، وهذا قانون مشترك بين جميع الديانات التي ظهرت، وكذلك بين جميع الحكم التي تحدّد الظروف بكل مجتمع بوجهيه الإنساني والمقدّس. والإنسان، خليفته على الأرض، مسؤول عن إدارة هذه الملكية في سبيل الله.

ويقف هذا المفهوم على النقيض من الحقوق الرومانية التي تعرف الملكية بمثابة (حقوق الإفراط والتمتع)، أما المسألة بالنسبة للمسلم فهي على النقيض من ذلك، الواجبات تأتي قبل الحقوق، الإنسان هو المسؤول عن التصرف بملكية الله ولا يستطيع التصرّف بها حسب مشيئته، ولا يستطيع أن يدمّرها حسب نزواته، ولا يستطيع تبذيرها، ولا يستطيع أن يتركها في أرض بور دون أن يجعلها تثمر بعمله.

كما لا يستطيع أن يكدّسها، وكانت أسوأ لعنة وقعت على ثروة أبي لهب، كما جاء في القرآن الكريم، وكل أوامر القرآن الكريم خصوصاً «الزكاة» ما هي إلا مساهمة في التحوّلات الاجتماعية، باعتباره مطلباً دينياً، وتحريم «الربا» يعني أن كل زيادة في الغنى دون عمل في سبيل الله تهدف إلى منع تراكم الغنى في قطب من المجتمع وتراكم البؤس في القطب الآخر. في البلدان التي دخلها الإسلام كانت الأرض تعطى للذين يزرعونها لقاء ضريبة متواضعة.

إن الإسلام دفع بالعلم إلى الأمام، خذ أولاً انطلاقته في بغداد وقرطبة وباليرم على سبيل المثال. أما رائد المنهج التجريبي في أوروبا، روجر باكون، الذي كرّس الجزء الخامس من كتابه Opus Majus حول (المنظور).

لم يتردّد عن استنساخ صفحات كاملة من كتاب (البصريات) لابن الهيثم (1030 ـ 965) أول من دشن في أبحاثه مسألة (انتشار الضوء) والعلم الحديث انطلاقاً من الاحتمالات الرياضية.

إن روح التوحيد تسري في جميع علوم العرب حيث برع العلماء بدءاً من الفيزياء وعلم الفلك حتى علم الأحياء والطب، وهذا ما سمح بتجديد جميع العلوم: الرياضيات مع الخوارزمي، والطب مع الرازي، وابن سينا.

إن الرؤية الديناميكية للعالم في القرآن تنبع من عملية الخلق المتواصلة لله، فلم تدرك الفلسفة الغربية جوهر النظرية الإسلامية في المعرفة التي تنطلق من فعل الخلق إلا بعد مرور قرون عديدة من قبل (كانت) و(غاستون بشلار)، ولم يكن بمقدورنا أن ندرك مفهوم المعرفة إلا في القرن العشرين، خصوصاً مع ظهور نظرية النسبية لآينشتين الذي أوضح لنا أن (الزمن) ما هو إلا (زمننا).

وعلى العكس لا يوجد الزمن إلا بعلاقتنا مع معدل سرعة كل موجة عندما انتقد الغزالي الفلاسفة المسلمين السابقين أو المعاصرين بدءاً من الكندي وانتهاءً بابن سينا، فإنه لم ينعت الفلسفة بعدم الاختصاص عامة.

بل المفهوم اليوناني للفلسفة الذي تغلغل إلى مفكري اللغة العربية، وإذا كانت الترجمة اليونانية تنص على أن الله عبارة عن كائن فإن مفهوم الخلق لا يصبح ملموساً، لأن وجود كل كائن يسبقه كائن آخر: الله هو فعل، فعل خلاّق بشكل خالد، وهو الذي يخلق ولا يتوقّف عن الخلق كما جاء في القرآن.

إن الإسلام شكّل حين ظهوره صحوة دينية للشعوب التي عرفته، والتي كانت تعيش حال إيمان غير حيوي، فنفحها الإسلام روحية وحياة جديدتين، إن جعل المفاهيم الإسلامية حاضرة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية هو الذي يشكّل قوة الإسلام.

ثمة شاهد آخر على عظمة الإسلام هو مثال الهند، وهي إلى جانب الأندلس مثلتا أجمل وجوه الإسلام الحي لكن «نهضة الإسلام» اليوم مرتهنة بإعادة اكتشاف كل الأبعاد التي أشاعها الإسلام في إسبانيا والهند.

إن قراءة جديدة للقرآن الكريم تكتب في سياق تاريخي، وأنني أنتقد القائلين أن القرآن موسوعة تحتوي كافة العلوم والمعارف. يجب العمل وعدم الكسل لأن النص القرآني يقدّم إلينا أشياء أهم وأعمق من النظريات العلمية التي تتغيّر وتتطوّر.

في سطور

روجيه غارودي، ولد في 17 يوليو 1913 في مرسيليا، فرنسا، فيلسوف وكاتب فرنسي. أخذ كأسير حرب خلال الحرب العالمية الثانية في قرية «جلفا» في الجزائر. كان غارودي شيوعياً، لكنه طرد من الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1970 وذلك لانتقاداته المستمرة للاتحاد السوفييتي، ثم وجد نفسه منجذباً للدين وحاول أن يجمع الكاثوليكية مع الشيوعية خلال عقد السبعينات، ثم ما لبث أن اعتنق الإسلام عام 1982 متخذاً اسم رجاء.

بعد مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان أصدر غارودي بياناً احتل الصفحة الثانية عشرة من عدد 17 حزيران 1982 من جريدة «لوموند» الفرنسية بعنوان «معنى العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان» وقد وقع البيان مع غارودي كل من الأب ميشيل لولون والقس إيتان ماتيو.

وكان هذا البيان بداية صدام غارودي مع المنظمات الصهيونية التي شنت حملة ضده في فرنسا والعالم. في عام 1998 حكمت محكمة فرنسية على غارودي بتهمة التشكيك في محرقة اليهود في كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» وحكم عليه بغرامة مالية قدرها 300 ألف فرنك، تبرعت بها الشيخة فاطمة بنت مبارك.

إضاءة

لم يتعرض مفكر وفيلسوف وكاتب فرنسي لما تعرض له روجيه غارودي من اضطهاد فكري. فقبل أن ينتقد إسرائيل كانت دور النشر الفرنسية قد نشرت له ما يزيد على أربعين كتاباً ولكنه بعد ذلك أصبح ينشر كتبه على حسابه الخاص.

وكتابه «الأساطير المؤسسة للصهيونية» كلفه محاكمة مدوية في عام 1998 حكمت عليه بدفع غرامة مالية مع سجن من دون توقيف، لأنه انتقد إسرائيل وشكك في المحرقة اليهودية، وهذا ما لا يسمح به في فرنسا.

قالوا عنه

وفي الندوة التي جمعتني مع البروفسور روجيه غارودي في دمشق، سمعته يتحدث ويهاجم الرأسمالية منذ كان شيوعياً، وكلانا كان لديه نفس الهدف، وهو أن يدعم العدالة. وكلانا كان ضدّ التركيز على الثروة، لأنّ الاهتمام بجمع الثروة ليس بعدل.

لقد اتّبع غارودي المبدأ الماركسي الذي يسعى لتحطيم الملكيّة، في حين أنّي كنتُ أعتبر الملكيّة مفتاحاً للحريّة. لكن كلانا كان يرى أن الملكيّة تؤدّي في النهاية إلى الظلم وعدم انتشار العدل، وكلانا كان يدعو إلى نظام يدعو إلى إنتاج وإعطاء العدالة للجميع.. لذلك وجدنا أنّ الإسلام هو الحلّ الوحيد.

المستشار روبرت كرين

أثبت فريق الادعاء أنه على قدر كبير من الصلافة، إنه يطالب بمحاكمة غارودي على بعض فقرات من كتابة.

وقد أثبت غارودي أنه غير معادٍ للسامية، وهي لا تعدو أن تكون تهمة لصقت به جوراً تماماً مثل اتهامه بالعنصرية التي هو براء منها، إذ لا شيء يثبت ذلك.

غارودي يتهم بالاحتجاج على الجرائم المقترفة ضد الإنسانية، بينما قاموس- غيسو، الذي حوكم غارودي بموجبه، يحصر كل الإبادات والعبوديات في اليهود فقط.

المحامي جاك فيرجيس

من آرائه

وجدت أن الحضارة الغربية قد بنيت

على فهم خاطئ للإنسان، وأنه عبر حياتي، كنت أبحث عن معنى معين لم أجده إلا في الإسلام.

شاكر نوري