ما ان تدلف البوابة الخشبية لمركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري الذي يقع في إحدى زوايا منطقة البستكية في دبي، حتى تشعر بمدى الحميمية وحرارة الاستقبال التي تلاقيها فيه.

ورغم مرور السنوات إلا أن أنفاس سكان البيت الأصلي ما زالت تشيع في أرجاء المكان الذي تحول إلى نقطة للتواصل الحضاري تجمع ما بين الغرب والشرق في آن واحد، ورغم التحديثات التي أدخلت على المركز إلا أنه بقي محافظا على طابعه التراثي القديم، فكل زاوية فيه إنما تذكر بالماضي وبتراث هذا البلد الأصيل، وبالعادات والتقاليد الإماراتية.

وما تكاد أن تتلفت في ذلك الرواق الصغير حتى تصادفك جملة رائعة «الأبواب مفتوحة والعقول متفتحة»، لتحول هذا البيت إلى مركز حضاري يحاول بتواصله مع الآخر أن يغير ملامح الصورة النمطية المرسومة عن العرب والإسلام لدى الغرب.

ليحل مكانها ملامح صورتنا الحقيقية التي نشأنا عليها، ولذلك لا يتوقف عمل المركز عند حدود التعريف بالتراث المحلي وإنما يتسع أفقه ليشمل التعريف بالإسلام وبأحكامه وثقافته الحضارية.

وقد اعتاد المركز منذ تأسيسه على استغلال شهر رمضان المبارك لتعريف الأجانب بالعادات والتقاليد المحلية وأحكام وآداب الصيام في الإسلام، خاصة وأن الغرب لا يعرف الكثير عن هذا الشهر الكريم، وذلك من خلال موائد الإفطار التي يقيمها المركز بين جنباته ويدعو إليها الأجانب ممن يقيمون في الدولة أو يزورونها.

أنشطة رئيسية

ولمعرفة مدى تأثير هذه اللقاءات في الأجانب التقينا ناصيف كايد، مدير المركز، والذي قال: «يحرص المركز في كل عام على إقامة ثلاثة أنشطة رئيسية، ومن بينها موائد الإفطار في رمضان، حيث نقوم بإعداد موائد الإفطار المختلفة والتي تكون إما لشركات أو أفراد.

وخلالها نقدم محاضرات مختلفة حول كيفية إفطار المسلم، والاستعدادات التي تسبق الإفطار في رمضان، ونقدم شرحا كاملا حول معنى الأذان والصلاة، كما نقوم بتعريفهم بأنواع المأكولات الشعبية المقدمة لهم. وخلال الإفطار نستقبل من الحضور العديد من الأسئلة التي تكون عادة حول شهر رمضان والعادات والتقاليد العربية والمحلية.

وبعد الانتهاء من الإفطار نصطحب ضيوف المركز في جولة تشمل المسجد لنعرفهم اليه من الداخل وأثناء وجودنا فيه نشرح لهم طريقة الصلاة ومعانيها وما يقال فيها، ومن ثم نقوم بجولة في منطقة البستكية لتعريف الضيوف بتاريخ دبي والإمارات عموما.

وبالانتهاء من هذه الجولة نعود مجددا إلى المركز لتناول الحلويات والمشروبات التي تتخللها نقاشات عدة حول الحضارة والدين الإسلامي وتاريخ الدولة والعادات والتقاليد المحلية».

وأضاف: «في هذه الفعالية تحديداً والتي تمتد لنحو ساعتين ونصف نحاول بقدر الإمكان أن نعطي الضيف الأجنبي الفرصة لأن يعيش هذه اللحظات وكأنه موجود في بيت إماراتي، بحيث يتعرف الى كل شيء فيها من حيث التعامل الإنساني والاجتماعي».

أسئلة عديدة

وحول أبرز الأسئلة التي يتلقاها القائمون على المركز ومتطوعوه في مثل هذه اللقاءات، قال ناصيف: «في هذه اللقاءات ينشط الحوار وعادة يكون بمستوى عال، وقد شعرنا بعد كل اللقاءات التي أقمناها بأن كل الذين يأتون إلينا إنما يسعون إلى المعرفة ويبحثون عن إجابات واضحة عن كل ما يدور في أذهانهم من أسئلة حول الإسلام والعرب عموما وشهر رمضان تحديدا.

ومن أبرزها هل يجبر الإنسان على الصيام أم لا؟ والحالات التي يمنع فيها الصيام، وهنا نوضح لهم طبيعة هذه الحالات مثل المرض والسفر والمرأة الحامل وغيرها».

وتابع: «في كل اللقاءات التي نجريها مع الأجانب نحرص على شرح فلسفة الصيام وبأنه يمثل الشعور بالآخرين والفقراء وانه تعليم للإنسان على مقاومة الإغراءات والغيبة والنميمة، وكثيرا ما نكتشف من خلال تعمقنا في الحوار مع الأجانب بأن ما يعرفونه عن الصيام مختلف تماما عما نشرحه لهم».

وأشار ناصيف إلى أن هذه الحوارات استطاعت أن تغير وجهة نظر العديد من الأجانب الذين قصدوا المركز للتعرف الى الإسلام وتاريخ الدولة، وأصبحوا يعرفون معنى الإسلام، ويرد ناصيف ذلك إلى الأناقة في الإجابة التي يرى بأنها تلعب دورا مهما في إقناع الأجانب وتغيير وجهة نظرهم حول الإسلام.

لقد حفزت هذه اللقاءات عددا من الشباب المواطن على الإقبال للتطوع، وقد وجد البعض منهم فيها فرصة للتعرف الى الثقافات والحضارات الأخرى، فمن جهتها قالت سعاد السركال، التي بدأت حديثا بالتطوع في المركز: «هذه هي المرة الأولى التي أتطوع فيها خلال شهر رمضان المبارك، والسبب يرجع لاقتناعي بفكرة المركز التي نحتاج إليها كثيرا في الإمارات.

فهي تعمل على تعريف الجميع بعاداتنا وتقاليدنا وهويتنا التراثية وتعاليم ديننا الحنيف، ولذلك أرى بأن المركز يمثل فرصة جيدة للأجيال المواطنة القادمة لتتعرف الى عاداتنا وتقاليدنا ويعطيها الفرصة للالتقاء بالأجانب، واعتقد أن هذا الأمر مهم جدا بالنسبة للإماراتي لأنه يمثل الهوية الوطنية».

وأضافت: «المركز يمثل فرصة جيدة للتعريف بالإسلام خاصة وأن الدولة مليئة بالجنسيات والديانات المختلفة، وبالتالي فالمركز قادر على إعطاء صورة حضارية جيدة عن الإسلام من خلال الحوار المباشر وليس الكتب».

طلب المعرفة

وأشارت سعاد إلى أنها استفادت كثيرا من خلال تجربتها هذه، وتمكنت من خلق علاقات مع عدد من ضيوف المركز الذين ما زالوا يتواصلون معها حتى اللحظة، وقالت: «لدى الأجانب الكثير من الأسئلة حول الإسلام والعرب عموما، ومن خلالها شعرت بأنهم يريدون معرفة كل شيء، وبعضهم يفضل الدخول إلى البيت الإماراتي ليعيش حياة الإماراتي الحقيقية بكل ما فيها من عادات وتقاليد».

حوار الحضارات

قال المتطوع راشد المفتول: «ما زلنا بحاجة إلى تعميق ثقافة التطوع في نفوس الشباب الإماراتي، لما لها من تأثير مهم في المتطوع نفسه، إلى جانب أنه يعطي صورة جيدة عن الإماراتي لأن كافة التعاملات التي تتم في المركز تكون مع الأجانب، وبالتالي فان ذلك يساهم في تعميق حوار الحضارات ويرفع من مستوى التعلم بين الأفراد أنفسهم».

وأشار المفتول إلى أن تجربته في التطوع برمضان قد أفادته كثيرا، وأن هذه ليست المرة الأولى التي يفطر فيها خارج بيته، فقد سبق له المشاركة في إفطار المركز في شهر رمضان الماضي، وكان ذلك فرصة له للالتقاء بعدد كبير من الأجانب والتحاور معهم في أمور عدة.

يبقى القول ان المركز استطاع منذ تأسيسه أن يغير الصورة النمطية لدى العديد من ضيوفه الذين تعمقوا في الدين الإسلامي والعادات والتقاليد المحلية، فمن خلال المركز وجدوا إجابات واضحة عن العديد من الأسئلة التي تدور في مخيلتهم.

دبي - غسان خروب