تنعم الوالدة عشبة إسماعيل «أم ثاني» برصيد وافر من الذكريات الجميلة التي لا تزال محفورة في ذاكرتها، وسردت تفاصيل الحياة الإماراتية في الماضي بلغة صادقة وعفوية، تعكس طبيعة المجتمع المتضامن والمتلاحم، تحدثت عن حكايات وأحداث عايشتها في رمضان في الماضي.
وقلبت صفحات من كتاب الحياة الإماراتية القديمة المفعمة بالمحبة والألفة ومكارم الأخلاق والتفاف الناس حول بعضهم البعض لتجسيد العادات والتقاليد والموروثات الشعبيّة المتوارثة عبر الأجيال، أبرزها تبادل الزيارات وتفقد أحوال الجيران وسكان «الفريج» الواحد وإقامة العلاقات الودّية والصّداقات الأخوية لإحياء روح التواصل التي اعتاد المجتمع الإماراتي على تعزيزها والمحافظة عليها.
وذكرت «أم ثاني» أن الناس في الماضي يترقبون حلول الشهر الفضيل من خلال الاعتماد على «الشوف» أي مشاهدة الهلال، وبعد رؤية الهلال يتناقل الناس الخبر ليعم على أنحاء المنطقة وتشيع البهجة والسرور على الجميع، فتباشر ربات البيوت في إعداد السحور حيث كانت الوجبة بسيطة مكونة من «العيش» أو الأرز واللبن وليس الروب الذي لم يكن معروفا لدى الأغلبية آنذاك.
والبعض يفضل «الفوقه» أو المكبوس والبعض الآخر يعد العيش الأبيض مع المرقة، حيث يحرص الآباء على إيقاظ أبنائهم لتناول وجبة السحور التي تعينهم على تحمل الجوع والعطش، ويتجمع أفراد الأسرة على مائدة السحور التي لا تقل أهمية عن مائدة الفطور، ثم يتوجه الآباء مصطحبين أبناءهم إلى المسجد لأداء صلاة الفجر.
مساجد بسيطة
وأشارت إلى أن المساجد في الماضي كانت تبنى من «اليريد» وهو سعف النخيل، وكانت تعج بالمصلين على الرغم من بساطتها، ويغلب على الأجواء القديمة في رمضان طابع الروحانية والتقرب إلى الله، فلم تكن هناك مشاغل لربة المنزل سوى تربية أبنائها وإرضاء زوجها من خلال تأدية واجباتها لمنزلية.
بينما يقوم بتلبية احتياجات أسرته من خلال العمل، قائلة إن الحياة البسيطة كانت تفرض على الجميع التقرب من بعض، وكانت هناك مناقب وخصال حميدة تطلق على أبناء الحي الواحد، فكانت البيوت مفتوحة للتزاور والتقارب.
مشيرة إلى أنها عاشت في منزل أهل زوجها الكبير الذي كان يجمع بين إخوانه وأعمامه وأبناءهم، فكانت الأسر ممتدة وتعيش في منزل واحد، كما كان البيت الواحد يضم أكثر من 6 عائلات، ما يعكس روح التضامن والولاء على أفراد الحي السكني والمجتمع بصفة عامة.
تحضير الفطور
وبينما كان البيت يضم أكثر من عائلة، فإن النساء يتعاون على إعداد مائدة الفطور، ولم تكن المائدة متنوعة وموسعة بل كانت في اغلب الأحيان تضم صنفاً واحداً أو أكثر من الأطباق، كما لم تكن جميع النساء ماهرات في الطبخ، بل توكل مهمة الطبخ لأكثرهن مهارة فيما تعينها الأخريات على تحضير الطبق وهكذا، وكانت الوجبة الرئيسية هي «العيش» فإما يكون فوقه أو عيش ابيض ومرقه.
ومن الذكريات الحاضرة التي لم تمحها السنوات، مبادرة إحدى النساء وهي زوجة عم زوجها التي كانت تعيش معهم في نفس البيت بإعداد «مرقة» الدجاج حسب طريقتها الخاصة، حيث قامت بطبخ الدجاج بمخالبها دون تقطيعها لذلك الجزء، فانتهت من مكونات الطبخة وقدمتها لهم، قائلة:« كانت الدياية تسبح في المرقة بمجاريفها، ومحد كلها» ولكنها لم تنسَ هذا الموقف الذي أنكره وضحك عليه الجميع.
عبادات تليها «السوالف»
كما تحضر ربات البيوت الحلويات مثل الفرني واللقيمات والخبيص وخبر الرقاق بالسكر و«الشيره» والزعفران، وبعد الانتهاء من أداء صلاة العشاء والتراويح التي كانت تحرص على إقامتها في مسجد عم روجها الملاصق لبيت العائلة في الشندغة، تبدأ نساء الفريج في الحضور.
قائلة:« محد كان يدخل وأيده خاليه» بل تحضر النساء ومعهن أطباق من الحلويات والوجبات الخفيفة، فيتجمعن في مكان تسوده الألفة وطيبة النفس والمحبة، وكانت حلاوة اللقاء والتواصل تتعزز في رمضان، فتحلو الجلسات والسوالف وتبدأ النساء بسرد الحكايات والأحداث والمواقف.
ذكريات خالدة
ومن الذكريات الخالدة في نفس الوالدة أم ثاني صيامها في رمضان، قائلة:«عندما كنت في سن صغيرة بدأت بالصيام وكنت اذهب إلى المدرسة عند المطوعة لتعليم القرآن، وفي إحدى المرات، فطلبت منا المطوعة أن نبقى عندها حتى أذان العصر، فبعضنا نام والبعض الآخر جلس يراجع الآيات.
وعند العصر توجهت إلى البيت حيث كان والدي ينتظرني أمام البيت وتساءل عن أسباب تأخري حيث رويت له ماذا أمرت به المطوعة فقال:«يلسي في البيت انفعي أمج وأنا بقريج» وهو كناية عن حاجة والدتها لها لمساعدتها في الأمور المنزلية على أن يتولى والدها تدريسها القرآن الكريم، فرضخت لطلبه وفي اليوم التالي ذهبت لإحضار مصحفها من المطوعة».
واستطردت، بعد انقضاء شهر رمضان، تزوجت ورحلت إلى الكويت، وعدت إلى الإمارات بعد سنوات قليلة عشتها في الكويت وأنجبت فيها ابنتي الأولى هناك.
فرحة العيد لا تكتمل إلا بلبس «المخور»
تتألق النساء الإماراتيات وهو الثوب المطرز، وحكت أم ثاني عن اهتمام السيدات الإماراتيات بتفصيل ملابس العيد من خلال الأثواب و«الصراويل» ـ السراويل، حيث كان التطريز أو الخوار في الماضي يختلف عما هو عليه في الحاضر.
وكان خوار «بو توله من الزري» هو المفضل لدى الجميع، ولم توجد كريستالات كالتي تضاف إلى الثوب الإماراتي للسيدات في الوقت الراهن، بل كانت الجلابية بسيطة لا يوجد بها تكلف ولكنها جميلة وتتناسب مع الذوق العربي الأصيل المحتشم.
ومن مباهج العيد استعداد ربات البيوت لاستقبال الأهالي والأقارب والجيران، فيتم تحضير السفرة (السرود) من الحجم الكبير وتوزع عليه «قواطي» الفواكة (الفواكة المعلبة) من الأناناس والكرز والخوخ، مع الإشارة بعدم اهتمام الناس بشراء الفواكه الطازجة، وذكرت أم ثاني أن الفواكه الطازجة مثل البرتقال والرمان كانت تدل على أن أهل البيت مصابين بمرض.
قائلة:« يلاف اللومي أو الرمان إذا شفناه عند بيت حد، كنا نقول أكيد عندهم حد ميهود (مريض)».
دبي - نادية إبراهيم
