توفي المعمّر اللبناني محمد رشيد الحجيري عن عمر ناهز الـ 115 عاماً، وهو من مواليد بلدة عرسال البقاعية عام 1895.
يذكر أن الحجيري توفي داخل إحدى الغرف في مستشفى «دار العجزة الإسلامية» (بيروت)، والذي كان بالنسبة إليه أحد شواطئ الأمان لمن دخلوا العمر الثالث وحزِمت شيبتهم داخل حقائب الترحيل إليه.
وهناك، لم يكن يملّ من توجيه السؤال للمرضات: «وينها، إجت؟».. لكن من هي الضيفة هذه؟، تجيب إحدى الممرضات أنه بانتظار «العروس».. أما هو فكان يضحك من كل قلبه ويعلّق بلهجة بعلبكيّة: «إيه إيه العروس.. وعدتني تجي ولهلأ بعدها ما إجت».
وتعود قصة «العروس» إلى أحد أيام يناير عام ,2008. يومها، أدخِل الحجيري إلى دار العجزة بعد أن بدأ يعاني من صعوبات في التنقّل والاستقلالية، فقامت إحدى الطبيبات بزيارته، وكانت ترتدي حينها لباساً أبيض.. ومنذ ذلك الوقت، بقي ينتظر الطبيبة بثوب الزفاف لتصير زوجة له.
أما بطاقة هويته المرفقة بملّفه في الدار، فتشير إلى اسمه الكامل: «محمد رشيد الحجيري/ مواليد عرسال (بلدة في البقاع الشمالي) عام 1895/ اسم الأم: فاطمة الحجيري/ الوضع العائلي: أرمل ولا أولاد/ المستوى العلمي: أمّي/ غير مدخّن ولا يخضع لأي علاج دوائي/ المرض: ضعف سمع حادّ».
ولِد في ذاك العام من أبوين لبنانيين، وكان أكبر إخوته الخمسة.. ومنذ الصغر، عمل مع والده في مجال الزراعة، كما عمل لفترة في بناء المنازل في قريته، مستخدماً الحجر الرملي.. تزوّج في العقد الخامس من العمر، وانتقل للسكن مع زوجته نجلاء في الضاحية الجنوبية لبيروت.. وبعد سنة من انتقاله، توفيت زوجته، قبل أن ينجب منها ولداً. عاد بعد ذلك إلى قريته عرسال، حيث مكث هناك وعمل في البناء مجدّداً، حسب الرواية التي كان قصّها لـ «البيان».
ودوماً، كانت تعود به ذاكرته الملأى بالتفاصيل إلى أيام الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين قدم الجراد إلى المنطقة و«أكل الأخضر واليابس»، وما بينهما وبعدهما من ثورات عربية.. كان يتذكّر البندقية التي كانت بحوزته حينها، «بذكُر كانت بارودة روسيّة، نسيت اسمها لأنو صعب».. وكان يتذكر حكم العثمانيين والفرنسيين والمجاعة.. وذلك، من دون أن ينسى «أيام العزّ، وقت هزمنا الفرنساويّي (الفرنسيين)، وإعلان الاستقلال في ال,1943.
والحديث عن «الجنس اللطيف اللّي انخلَق الكون كرمالو»، والشوكولا التي يحبها كثيراً، وبيوت القرميد الأحمر في ضيعته، والسؤال عن ابن أخيه حسين، وهو الشخص الذي كان يزوره باستمرار ويهتمّ به «الله يرضى عليه رضا قلبي وربّي».. كان يسرد الحكاية بإتقان، وهو الذي لم يغلبه تعب السنين، بل غلبه الشوق إلى جذوره المقطوعة قسراً، والتي جعلت أقدامه ضائعة في كرسي متحرّك، قبل أن توافيه المنيّة.
بيروت - وفاء عواد
