ولد في زمن الفاقة، ولكن تعاون الناس والجيران والأهل جعل أي شيء جلل يتقزم أمام تعاونهم وإصرارهم، لأنهم يد واحدة، تربى مع الشيوخ فتعلم الخصال الحميدة، حفظ القرآن صغيراً، وعمل وتفانى بكل أعماله، سافر ففتح له السفر آفاقاً كثيرة، عاد للوطن ليعمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد ويتدرج في العمل إلى أن وصل وزيراً للأشغال.

إنها رحلة طويلة يرويها لنا ضيفنا بطي بن حميد بن بشر قائلاً: أنا من دبي، عشنا في الشندغة، ووالدي وجدي في ديرة، تربينا عند المغفور له بإذن الله الشيخ سعيد آل مكتوم، ومن بعده المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.

وهذا كله بسبب العلاقة بين أخوالي والشيوخ، وعشنا عيشة عادية مع المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد، كنت ألعب معه، ونذهب للمدارس في أيام الصبا، وكذلك صديقنا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وكانت العلاقة بينهما قوية جداً، والشيخ سلطان منذ نعومة أظفاره مسكون بالهم القومي والعربي ويحب القراءة والمطالعة، وكان يكتب على ضوء فنار، ومجتهداً لجمع الناس.

المدارس الدينية

وكانت المدارس دينية أو كتاتيب، حفظت القرآن في السابعة أو الثامنة، وتعلمنا القواعد والإعراب والصرف، ثم درست بالمدرسة الأحمدية ومدرسة الفلاح ببر دبي، وكانوا في المدرسة الأحمدية يعملون تمثيليات أو مسرحيات، وكانت قصة عنتر بن شداد تمثل في آخر كل سنة دراسية. تعلمنا الهندسة ـ الجبر ـ الفلك ـ والخط، عام 1949 سافرت مع والدي للسعودية طلباً للعمل.

ورجعنا واستمررت في المدرسة الأحمدية، الأخ ماجد بن غرير صديق الوالد قال: يجب أن يتعلم بطي الإنجليزية. عملت في البنك البريطاني وتعلمت عند حسن بن حسين الصايغ الإنجليزي، وعندما كنت لا أكتب الواجب كان يمسكني من أذني.

البنك البريطاني بمثابة كلية

البنك البريطاني كان بمثابة كلية لكل تجار دبي، عملوا في البنك البريطاني من كاتب لمعاون كاتب، وترقوا، تعلمت الإنجليزية وكان عندنا أستاذ عراقي اسمه على عامر في سكة الخيل، سنة 1954 سافرت للسعودية وعملت هناك وكانوا يعطونني 14 ريالاً ونصف الريال، وكون إنجليزيتي جيدة وأكتب طلبني أحد المقاولين وعملت معه براتب 300 ريال..

عملت كثيراً وكنت لا أنام.. زادوا راتبي لـ 450 ريالاً، ومن ثم أصبحت أستلم 36 ريالاً في اليوم وهذا بعد عام، وكانت أول زيارة لجمال عبدالناصر للسعودية واستقبله الملك سعود، رجعت لدبي وأخذت سيارة أجرة للعمل بين عمان والعين وغيرها من الطرقات، عام 1953 سافرت للهند مع الوالد وتصورت ببدلة، وعندما وصلت الصورة إلى أهلي قالوا: بطي كفر!.

عامل وحارس مرمى

بقيت أعمل لأن الأهل علمونا الصبر والإخلاص لمن نعمل معهم، 1957 عدت إلى البحرين لأعمل «أوبريتر» في ميناء سلمان، وبعد المغرب أتعلم الطباعة عند التاجر عبدالرسول، والعصر ألعب حارساً لفريق المحرق البحريني، ويسمى في الشتاء المحرق وفي الصيف المريخ.

أنا دائماً مع الوالد في سفرياته، وعندما كنا في البحرين نذهب لأصدقائنا وهم تجار من قوم الجامع، وهم بدورهم لا يدعوننا نذهب للفنادق، بل نبيت عندهم في بيوتهم.

نابغة منذ صغره

في العام 1949 ولد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ونشأ في بيت جده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم في منطقة الشندغة في بر دبي. رفاقه كانوا أخوته وأبناء عمومته وأبناء عائلات دبي من تجار وأبناء القبائل. كان يصحب جده الشيخ سعيد في مجالسه ليكون مدرسته الأولى في الحكم.

تدرب منذ طفولته على الصيد بالصقور والفروسية والرماية والسباحة، وحكوا لي انه كان له أخ قبله توفي صغيراً، وعندما رزق الله المغفور له الشيخ راشد غلاماً سماه مجدداً محمداً، ففرحت الناس، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد انفرد بصداقته مع مجموعة أكبر منه سناً، كان يذهب «للسماميج» ويركب «الرجاب» ويذهب للتجار فأصبح مع إخوانه اشهر من نار على علم بفضل أخلاقهم ومجالستهم للصغير والكبير.

مدير بنك عمان

بعدها جاءني الأخ ماجد الغرير وقال لي: سوف أسس بنك عمان، وهو بنك المشرق الآن، ونريد أن نؤسس بنك عمان في أبوظبي، ولكن لظروف معينة لم يسمحوا لهم بفتح البنك، فجاؤوا إليّ وطلبوا مني الذهاب معهم للقاء المغفور له الشيخ زايد، فذهبنا إلى هناك أنا وعبدالله بن حارب وأحمد بالحصا وعمير بن عبدالله بن سعيد الفلاسي وكان أيضاً صديقاً للمغفور له الشيخ زايد.

وقابلناه وشرحنا له الموضوع وأننا نريد أن نؤسس البنك في العين، فقال: مرحباً بكم، ولكن على شرط أن يكون بطي مديراً للبنك فعلاً، وتم ذلك وأصبحت المدير التجاري لبنك عمان في العين، وكان في العين بنكان؛ الأول البنك العثماني، والثاني البنك الشرقي، فتأثر العامة باسم بنك عمان وبدؤوا بفتح حسابات به وعندما وصل حساب بنكنا إلى 221 في العين كان محل فخر وحديث.

زايد وحكم أبوظبي

في 6/8/1966 تولى المغفور له الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي، وفي العام نفسه وبالتحديد في 25/12/1966 وكان موافقاً للاحتفال بأعياد رأس السنة وبالتالي سيكون البنك في عطلة، فذهبت مع سيف الغرير وعمير الفلاسي لقضاء العطلة، وفي طريقنا إلى العين رأينا سيارات الجيش موجودة في الواحة، وعرفنا أن الشيخ زايد موجود في المنطقة، فذهبنا للسلام عليه، وقتها سألني: أين حقيبتك؟

فقلت له: في سيارتي، وأمر أحد رجاله بأن ينقل حقيبتي من سيارتي إلى سيارته، واختارني لأكون سكرتيره الخاص، وهنا أيضاً يجب أن أشير إلى أنه لم تكن هناك حساسيات أو فرق بين أهل أبوظبي وأهل دبي أو الشارقة في أن يتولى أحدهم منصباً في إمارة أخرى، وبقيت مع زايد، وعينوا لي راتباً، وكنت مرافقه في الأسفار. فقد كان الإخلاص والعمل هما الأصل في الاختيارات.

وعلى ذكر الإخلاص في العمل حدث وكلفني الشيخ زايد بأن أدرب موظفين جددا في الديوان، وأثناء التدريب كنت أركز على الإخلاص، لدرجة أنني قلت لهم إنهم ليسوا مطالبين بالإخلاص للشيخ زايد، بل الإخلاص لله في زايد، وهناك أعمال كثيرة مارستها ومهام كثيرة أوكلت إليّ، أهمها اختيار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لي لأكون سكرتيراً خاصاً لفترة طويلة.

لكن عملية الاختيار سبقتها محطات تعطي إشارات لما كانت عليه الأحوال في فترتي الخمسينات والستينات، يقول بن بشر: الشيخ زايد قبل كل شيء كان صديقاً للوالد، وكانت هناك زيارات متبادلة مع آل نهيان عموماً.

العلاقة مع الشيوخ

علاقتنا بالشيوخ ليست علاقة شعب، بل علاقة أهلية، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد كانت نظرته بعيدة، والاتحاد بفكره ليس من اليوم، بل كان عندما قررت بريطانيا ترك الجنوب وعدن، طالبهم بتعديل الكيان، وأصبحت علاقة المغفور لهما الشيخ زايد والشيخ راشد في الخمسينات عندما حكم زايد فوجد المغفور له الشيخ راشد فرصة لتأسيس وحدة وليس اتحاداً بين أبوظبي ودبي.

وجاء الرجال إلى زايد وأقنعوه وكان العام 1968، وكانت فرحة لا توصف، وصارت جلسات الخوانيج، واستمر تشكيل الاتحاد، لكن طرحت قضية الحدود، وقال أحمد بن سلطان بن سليم لزايد: يا طويل العمر، وللمغفور له الشيخ راشد: الحدود أسسها الإنجليز، يجب أن تقام وتبقى، فالدخول بالتفاصيل لن يأتي بنتيجة.

حادث اليخت

في المغرب جاءنا خالد بن بطي ومعه طراد ليريه للمغفور له الشيخ زايد. في الصباح جاءنا حميد بن دلموك وجلب معه بطيخ وتمر.

وجاء زايد ليجرب الطراد، فصعدوا معه، ونادى عليّ، وكنت أرتدي وزاراً لأنني كنت أعمل كل شيء عنده؛ طباخا وميكانيكيا وسكرتيرا، كل شيء، ركب الطراد خمسة أشخاص: الشيخ زايد وخلفان بن مطر وعبدالرحمن بن درويش وعبدالجليل وغانم بن حمدان، وطلبوا مني جلب البطيخ والخنيزي.

نادى على الشيخ زايد وصعدت معهم، وعندما قاد الشيخ زايد الطراد سار به بأقصى سرعة حتى وصلنا السعديات في الشرق، الساعة 30,6 انفجرت مروحة ماكينة الطراد، فقلت له: خفف السرعة، بحثنا عنها لم نجدها، الهواء «عقر بي على سهيلي» ولا يوجد مجداف ولا «ويلس».

نظرت لخلفان مطر وقلت له: الرأي أنا كنت مشغولاً وخائفاً أن تكون كميناً فكانا خوفنا على الشيخ زايد جماً، ولكن قلت لخلفان: سأسحب الطراد وأنت معك الرشاش، أي شيء يأتي جانبي أطلق عليه النار، وبقيت أسبح حتى اعترضتني «بقرة البحر» عند غياب الشمس وصلنا السعديات، بقيت بعدها عندما أسحبهم في الخور رجل تنزل في الوحل فأذهب للجهة الثانية إلى أن وصلنا بعون الله.

زايد الوالد والمعلم

بدوري أنا كنت أعتبر زايد الوالد والمعلم، لأنه صدقاً ما من أحد جالس زايد إلا وهيأ له الله الخير لصفة بهذا الرجل لا يعلمها إلا الله، وبعد عملي الطويل معه توليت بعدها وزارة الأشغال واستمررت فيها.

الشيخ زايد كان يسكن في الحصن، والشيخ مبارك بن محمد بنى بيتاً غرب الحصن، وانتقل الشيخ زايد وكان يخطط ومعه الدكتور عبدالرحمن مخلوف، الشيخ زايد كان يصحو في أي وقت.

وكان التخطيط على رأي مخلوف أن تكون المسافة بين الشارع والبيوت 50 قدماً، الشيخ زايد رفض وقال: «لازم 100 قدم»، جاءنا مخلوف ليلاً وكان سيف بن محمد مدير البلدية وأتينا على الشارع الموالي لقصر الحصن وكان منحرفاً قليلاً وانتقدوه، لكن الشيخ زايد قال: لا بأس لأن الانعطاف يجنب السائقين الاصطدام. ورجعنا الحصن.

الشيخ زايد رحمه الله رجل علم، وكان في الإعراب فطحلاً، يقرض الشعر ويحفظ لفحول الشعراء، وفوق كل ذلك كان يرسم في مخيلته لهذه الدولة التي بدأها من العين عملاً وتحسيناً من خلال تأسيس إدارات لتكون نواة لمؤسسات ووزارات الدولة مستقبلاً، فمسؤولية الزراعة عند شخص، البلدية عند آخر، وكذلك الأمن.

تأسيس الإدارات

عندما حكم أبوظبي نادى على حمدان بن محمد، حيث كان رجل علم وعنده معرفة بالإدارة، أسسا البلدية وأسس مجلس القضاء والعدالة، وأعطى الأمن للشيخ مبارك، وكان رحمة الله عليه لا ينام «يحوط بنفسه»، ويتابع رجاله في أبوظبي والعين والحدود، قبل أن يقوم الاتحاد أسسوا دولة أبوظبي لأنها كانت مؤسسة بإداراتها.

آل مكتوم أهل حكم

الشيخ زايد والشيخ راشد كانت علاقتهما قوية، بعدما توفي الشيخ راشد أتى الشيخ مكتوم ليكمل المسيرة، وعندما توفي الشيخ زايد والشيخ مكتوم جاء صاحب السمو الشيخ خليفة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لتكون العلاقة ولله الحمد أكثر متانة وحصانة وقوة.

هذا البلد للأمانة مبارك، ليس من الآن، بل منذ الأزل. في زمن المغفور له الشيخ مكتوم بن حشر الذي يحرص أن تكون دبي بلدا تجاريا والتجارة أكثرها مع فارس، وحكم بالعدل، وكان للشيخ مكتوم صديق عالم من فارس يسمى الشيخ عبدالقادر صاحب الطريقة؛ طريقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويوصي التجار في فارس ويقول: اذهبوا إلى دبي حيث الأمان.

وعندما توفي تولى الحكم بطي بن سهيل، وكان رجلا كريما، بعدها تولى الحكم الشيخ سعيد بن مكتوم، وكان صديق تيمور بن تركي بن فيصل سلطان مسقط.

الشيخ سعيد بن مكتوم كان هادئا في حياته وحكمه، رحيماً، وعنده قضاة عدة؛ للتجارة، للطلاق، للسرقة، لكل شيء، وصل الخبر إلى الشيخ عبدالقادر فقام من مرضه.

وقال: الحمد لله الذي أعاد الكرسي إلى أهله، الشيخ راشد حكم منذ الصغر وكان عادلاً كريماً وصاحب رؤية لا يحتاج لأحد ليشرحها، ولكن والحمد لله البلد لا تتوقف عند أحد، فعندما تدخل دبي لا تعرف لها حدودا للطموح، وكل هذا ما كان ليتأتى لولا أن هيأ الله لنا رجلاً مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي نتمنى له طول العمر وسداد الخطى.

جمعة الماجد صاحب مواقف

جاء الاتحاد وبدأت الاجتماعات، وكنا في الخوانيج، وكان الاتحاد التساعي قبل أن تنسحب قطر والبحرين، أنا ومجموعة من الرجال أذكر منهم جمعة الماجد، كمال حمزة، عبدالغفار حسين، نجلس خارج قاعة الاجتماعات لنرى ما سينفض عنه الاجتماع، خرج إلينا الشيخ زايد مندفعاً.

وقال: لماذا لا تؤيدوننا؟ فقال جمعة الماجد له: يا طويل العمر نحن نؤيد الكل، كلكم شيوخنا، نجتمع معكم، أو أذيعوا بالراديو لنعرف الصح والخطأ، رجع زايد الاجتماع وانبثق عنه أشياء كثيرة قربت إلى الاتحاد.

العمل

علاقة والدي مع المغفور له الشيخ راشد كانت جيدة، وتولى منصبا في الجمارك، العام 1956 سافرت مع والدي بالبحر لعدن ومسقط، وسار الوالد مع خلفان بن تركية لشراء السكراب العسكري وكانوا يفككونه ويبيعونه قطعا، فقط ناصر عبداللطيف كان يجلب الترك الآليات الثقيلة، وقرقاش أيضاً، وغير ذلك لا توجد

وكالات سيارات.

1959

عدت لدبي لأعمل كاتباً في محكمة دبي سنة 1959 ، ومن الجميل في ذلك الوقت أنني كنت الأول في العالم في الطباعة أطبع 75 كلمة في الدقيقة، وكان الناس لبساطتهم يأتون سواء كانوا تجاراً أو صيادين أو أياً كان ليشاهدوا بطي وهو يطبع غيابياً دون أن ينظر إلى اللوحة، بقيت لعام 1974 وترقيت

حتى أصبحت كاتب ضبط عند القاضي محمد

جعفر السقاف، وكان عادلاً مطلعاً.

تنشر «البيان» حوارات أجراها تلفزيون دبي مع نخبة من الشخصيات المتميزة في مجالات متنامية على الصعيد المحلي والخليجي في برنامج بعنوان: «وجوه عربية»

إعداد حسين البادي

إخراج حسين بن حيدر

أعدها للنشر ـ عبدالمنعم الشديدي