بين الأمس واليوم، ذكريات جميلة وواقع معاصر غيرت أنماط عيشه الحداثة والتطور في كل شيء، وللحياة في الماضي أسلوب مختلف عن الحاضر، وبالأمس كانت الروابط الاجتماعية قوية ولا تزحزحها الأيام والتطورات، بل كانت القلوب صافية خالية من الكره والحقد والبغضاء.
وكانت أواصر القربى قوية ويغلب على الأحياء السكنية «الفرجان» سمات الترابط والمحبة والأخوة، وفي زمن كان معظم الفرجان مبنية من «العرش» وهي سعف النخيل، نشأ عبدالكريم محمد سعيد في حي شعبي كانت بيوته متقابلة ومتلاصقة لبعضها البعض، وهي تعكس حال الساكنين فيها.
حيث كان أهالي الحي الواحد بمثابة أسرة مترابطة وممتدة يجمعهم الولاء والانتماء والمحبة للوطن، ما يعطي انطباعاً عن حب الناس لبعضهم البعض ويدل على اهتمام الناس بالتسابق لفعل الخير ومساعدة الآخرين، وكانت الألفة والمودة شائعة بين أهالي الفريج آنذاك، واليوم، تغيرت الأحوال وتبددت روح الانسجام والتأقلم التي كانت من أبرز سمات المجتمع الإماراتي، فمن عاش في ذلك الزمن يتوق للعودة إليه مجددا ليستشعر حلاوة الأصالة والتلاحم الاجتماعي.
وقال: «من العادات الاجتماعية الجميلة التي يتميز بها المجتمع الإماراتي في رمضان في الماضي، تبادل الأطباق التي تخرج من بيت إلى آخر، ولم تقتصر على سابع جار، بل تمتد لتشمل إلى ما أبعد منه، وكان الجميع يقوم بتلك العادة الاجتماعية التي تدل على المشاركة والتكاتف بين أفراد الحي، ولا أنسى «دق الهريس».
وهي إحدى الطقوس الرمضانية التي كانت تقوم بها نساء الفريج في سبيل تحضير طبق الهريس المحبب للجميع حتى الوقت الراهن، وبينما كان الاستعداد لرمضان في الماضي يبدأ في شراء الأطعمة التي تشهد ارتفاعاً في الأسعار، إلا أن التدخل الحكومي كان يحول دون إحساس الشخص بعدم استطاعته للشراء.
حيث كانت بطاقة الدعم التي يحظى بها المواطنون تمكنهم للحصول على أسعار تنافسية تصل إلى نصف قيمة اللحوم والأرز والسكر، ناهيك عن توزيع اللحوم الذي كان ينفذ خلال فترة وجيزة، فإذا تأخر الشخص قليلا فلم يحصل على شيء.
خير وفير
وتابع عبدالكريم أنه وعلى الرغم من الدعم والتسهيلات التي كانت تعطى للمواطن، كان هناك توزيع المؤن والزكاة، فالخير كان وفيراً بالرغم من بساطة العيش، وكانت أجواء المحبة والألفة تلقي بظلالها على الروح الجماعية والحياة الأسرية.
فكان الناس أكثر ترابطا وتلاحما وولاء وحبا للعطاء، وكان المجتمع الإماراتي متراحما ومتكافلا في الماضي، ولا يزال المجتمع الإماراتي محافظا على تلك السمات، وذلك من خلال اهتمام المسؤولين فيه بتوزيع المير الرمضاني بداية الشهر الفضيل الذي يشمل الجميع.
ومن المظاهر الاجتماعية التي يختزلها عبدالكريم في ذاكرته، مشاركة أهالي الفريج في ضرب الهريس، ولم تكن هناك حاجة للاستعانة بالخدم، بل كان الأهالي أنفسهم يقومون بإعداد الطعام وتجهيزه بهدف توزيعه على جميع سكان المنطقة.
مشيراً إلى أن والدته كانت من أفضل النساء اللواتي يعدن الهريس، وكان ضرب الهريس من ضمن العادات والتقاليد والموروثات الشعبيّة التي كان يحافظ عليها الأهالي ويعطونها الكثير من الاهتمامات في المناسبات.
وكان الكل يشارك في تحضير هذا الطبق، بينما يتسارع الصغار في توزيع أطباق الهريس على الأهالي، ولفت إلى انه لا يوجد تبادل الأطباق في الوقت الراهن كما كان في الماضي، كما تقتصر تجمعات أفراد الأسرة في المناسبات والعزائم العائلية، بعكس السابق حيث كان التوزيع على الفريج يأتي في المقام الأول.
وكشف عن احتفال بعض الأهالي في السابق بليلة نصف رمضان، ولم تكن مناسبة يحتفل بها لجميع مثل الاحتفال بليلة النصف من شعبان، بل كانت قائمة على توزيع حلوى «الزليبيا» أو الزلابيا كما يطلق عليها البعض وهي معروفة بلونها البرتقالي ومنتشرة بكثرة في منطقة الخليج.
طقوس رمضانية
واستطرد عبدالكريم محمد سعيد حديثه قائلا انه كنا في السابق نؤدي الفروض، وكان الجانب الديني والروحاني يحيطان بكل شيء في رمضان، كانت تكثر العبادات ولكن أرى أن شباب اليوم بات لديهم فهم أكثر في الأمور الدينية عن السابق، وما زال في مجتمعنا تبادل الزّيارات وإقامة العلاقات الودّية والصّداقات خاصة في رمضان.
كما صلة الرحم موجودة والتجمع في مجالس احد أفراد الحي، ولكن ليس كتجمع الرجال في المساجد لتناول الفطور الجماعي.
ويضيف: يدفعني حنيني للعودة إلى الماضي والرجوع إلى زمن كانت الأسواق الشعبية مليئة بالحلويات والملابس والعاب الأطفال البسيطة، ولكن التطور والحداثة ألقت بظلالها على واقعنا فتبدلت أحوال الأسواق وطغت المراكز التجارية على الأسواق الشعبية.
كما لم تكن في الماضي كماليات بل الضروريات كانت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا البسيطة، وفي السابق كنا نفصل كندورة (ثوب) أو اثنين، ولكن النعمة زادت حاليا وأصبحنا نتنعم بالخير الوفير.
جلسات المؤانسة والتسامر لا تمحوها الذاكرة
تبادل الزيارات وكرم الضيافة، سمات المجتمع الإماراتي في رمضان، وهي عادات متوارثة تنبع من مكارم الأخلاق التي تربى عليها الناس في الماضي، كانت مؤانسة الضيوف والترحيب بهم تشغل الجميع، وبعد صلاة التراويح تتجمع النساء في مكان والرجال في مجالس تكتظ بالحضور، والمجالس كانت ولا تزال منتشرة بكثرة في الأحياء السكنية، يتجمع فيها الشباب لتبدأ جلسات التسامر واللعب حتى وقت متأخر من الليل، وقال عبد الكريم محمد انه لا احد ينام في رمضان.
حيث يتيح الدوام المتأخر السهر مع الأصدقاء والأقارب في أجواء حميمية وأخوية وترابط اجتماعي وثيق، ولتلك الجلسات نكهة خاصة يتجاذب فيها الحضور أطراف الحديث، وفي الستينات والسبعينات كانت الملاعب الخارجية في الفرجان قائمة بإمكانيات بسيطة وبجهود من أفراد الفريج.
وكان الشباب يتجمعون بعد صلاة التراويح للعب كرة القدم ولعب الورق، إلى جانب الانتظام لمجالس القرآن الكريم، أمام في فترة الثمانينات فظهر اهتمام النوادي الرياضية بتنظيم عملية لعب الكرة، فأقامت دورات رمضانية لكرة القدم، وكنت احد اللاعبين في نادي النصر خلال إحدى الدورات الرمضانية بعد أن كنت أمارس اللعب في الفرجان.
دبي- نادية إبراهيم
