في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.استهواه العيش في الهند، فأمضى فيها المستشرق البريطاني السير توماس وولكر آرنولد نحو عشرة أعوام، باحثاً عن كنوز المعرفة، وإذ به يكتشف الإسلام.

ولكي يفهم الدين الحنيف، ألف كتباً عديدة، فلكي يفهم الخلافة ألف كتاباً عنها، ولكي يفهم الدعوة الإسلامية، ألف كتاباً عنها. وكان يسعى إلى غاية سامية وهي تصحيح الأفكار الخاطئة التي روجتها الدوائر الاستعمارية آنذاك. الخلافة جمع في كتابه «الخلافة» 1924 المحاضرات التي سبق أن ألقاها على طلبته، ويتلخص ذلك في تأثير الخلافة على حياة المسلمين ومصيرهم. وكان للكتاب أثر كبير آنذاك لأن أتاتورك قام بإلغاء منصب الخليفة في الوقت الذي اشتدت فيه الدعوات لاستعادة هذا المنصب في عدد من البلدان التابعة لبريطانيا.

ولكي يقرّب هذا الموضوع إلى أذهان الأوروبيين والغربيين عامة، قدم عرضاً شاملاً لتاريخ الخلافة منذ وفاة الرسول محمد(ص) وحتى تاريخ إلغائها في عام 1924.

وكان من الطبيعي أن يركز آرنولد على هذا الموضوع لدراسة العلاقة بين بريطانيا ومستعمراتها من خلال تراث البلدان المستعمرة. وطلب من الدوائر البريطانية فهماً أكثر للعرب عن طريق اهتمامها بدراسة اللغة العربية، التي ينطق بها غالبية سكان المستعمرات. وأكد أن الإسلام دين يدخل ضمن القانون السياسي والمؤسسات الاجتماعية بينما تخضع المسيحية إلى نظام كهنوتي منغلق.

وأهم ما ناقشه آرنولد هو طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة. والفروق الموجودة بين مفهوم الخلافة في العالم الإسلامي والبابوية في العالم المسيحي. وتمكن المستشرق البريطاني أن ينسج علاقات وطيدة بكبار علماء الغرب في الهند مما أعانه على فهم الإسلام بصورة أفضل.

وركز على علاقة دمشق العاصمة مع المدينة المنورة، مهملاً المراكز الدينية الأخرى مثل الكوفة والبصرة ومصر والشام. ولكنه ابتعد عن دراسة الفرق الأخرى في الإسلام، مركزاً على السنة باعتباره المذهب السائد.

واستند في دراسته إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وناقش الآراء الفلسفية والفكرية للفقهاء مثل أبا حسن الماوردي وكتابه «الأحكام السلطانية»، وإهماله لتاريخ القرون الإسلامية الأربعة الأولى، جاعلاً من منصب الخليفة انتخابياً. وناقش الفارابي انفصال علاقة الدين بالفلسفة الفارابية. وناقش موضوع الطاعة للسلطة الحاكمة في الإسلام سواء كانت عادلة أم جائرة. وأهم ما ناقشه في كتابه هو تداول ألقاب الخلافة وظهور شخصيات سياسية طموحة لاقتناء هذه الألقاب.

الدعوة إلى الإسلام

في كتابه الهام والفريد، يعرض آرنولد سبل نشر العقيدة الإسلامية منذ عهد النبوة وحتى القرن التاسع عشر. ويتناول أهم الأخبار والأحداث فيها، ملقياً الضوء على تفاصيلها الدقيقة.

وقد أزال الكثير من اللبس وسوء الفهم الذي وقع فيه غالبية المفكرين والمستشرقين الغربيين ممن آمنوا أو روجوا إلى أن الدين الإسلامي انتشر عن طريق القوة والعنف والسيف، بينما العكس هو الصحيح لأن الإسلام لم يكن خالياً من المبادئ والأخلاق والقيم.

لذا يقول«.. لم نسمع عن أي محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فردناند وإيزابيلا الإسلام من أسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البروتستانتي مذهبا يعاقب عليه متبعوه في فرنسا».

وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالا تاما عن سائر العالم المسيحي الذي لم يوجد في جميع أنحائه احد يقف إلى جانبهم باعتبارهم طوائف خارجة عن الدين، ولهذا فان مجرد بقاء هذه الكنائس حتى الآن يحمل في طياته الدليل القوي على ما قامت عليه سياسة الحكومات الإسلامية بوجه عام من تسامح نحوهم» كما جاء في كتابه (الدعوة الإسلامية).

ويرى آرنولد أن انتشار الإسلام يعود إلى أسباب اجتماعية وسياسية ودينية، وبتأثير من شخصية الرسول محمد (ص)، النموذجية والقيادية. فالإسلام رسالة قبل كل شيء، والإقبال المتزايد على اعتناق الإسلام في منذ أربعة عشر قرناً وحتى الوقت الحاضر، خير دليل على ذلك كما يذهب آرنولد.

وهذا الفهم الموضوعي للإسلام يدلل أن التعصب الأعمى الذي ابتلى به بعض المستشرقين في تحليل ظاهرة الإسلام فيه أغراض مسيئة. فقد ترك الإسلام أصحاب الديانات الأخرى يمارسون شعائرهم وطقوسهم دون التدخل فيها أبداً. فقد عاش اليهود مع المسلمين قروناً دون أن يقيم لهم المسلمون «المحرقة».

ويؤكد آرنولد في كتابه«الدعوة إلى الإسلام» أن الإسلام انتشر بثقافته وقيمه وسماحته أثناء الفتوحات، ولم يكن السيف هو السلاح الحاسم فقط في المعركة «لقد عامل المسلمون المسيحيين العرب بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة.

ونستطيع بحق أن نحكم أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح».

ويضيف في هذا المجال «كانت رغبة محمّد ترمي إلى تأسيس دين جديد. وقد نجح في هذا السّبيل، ولكنّه في الوقت نفسه أقام نظاما سياسيّا له صفة جديدة متميّزة تامّا».

اللغة العربية، أفريقيا والإسلام

خصص آرنولد للقارة الأفريقية كتاباً كاملاً بعنوان «الإسلام في أفريقيا»، تحدث فيه عن انتشار الإسلام بين مسيحيي أفريقيا، ولا سيما مصر والمغرب والحبشة، وتحول البربر إلى الإسلام وانتشاره في المغرب ثم تناول قيام الممالك الإسلامية في القارة الأفريقية، كما تناول الطرق الصوفية، وانتشار الإسلام في إفريقيا الغربية والشرقية.

ساهمت اللغة العربية في نشر الدعوة الإسلامية، وتغلغلت في حياة الأفارقة وثقافتهم، كما يقول آرنولد « وبلغت اللغة العربية وهي اللغة التي تكتب بها دائماً الكتب الدينية حداً يفوق كل وصف من المعنى والجمال، وإذا ما تعلموا، أصبحت لغة التخاطب بين قبائل نصف القارة، وتستخدم كمقدمة لدراسة الأدب، بل هي أدب في ذاتها، وهي إلى ذلك لغة شريعة وقانون مكتوبة، حلت محل نزوات شيخ القبيلة الاستبدادية، وهذا تغير في ذاته تقدماً هائلاً في الحضارة..

فمن المسلم به من كل الوجوه أن الإسلام يمد السود الذين أسلموا حديثاً بالنشاط والعزة والاعتماد على النفس، واحترام الذات، وهذه كلها صفات يندر جداً أن نجدها في مواطنيهم الوثنيين أو المسيحيين».

وتناول آرنولد في كتابه هذا نشاط بعض القبائل الإفريقية في المجال الصناعي والتجاري، فيقول عن نشاط قبائل الهوسا: « وعلى ساحل غينيا انتشرت المؤثرات الإسلامية بوجه خاص على أيدي تجار (الهوسا ) الذين نجدهم في كل المدن التجارية على هذا الساحل، وكلما أنشأوا محلاً أسرعوا إلى بناء مسجد فيه، وأثروا في السكان الوثنيين بمسلكهم القائم على الورع وثقافتهم المتفوقة».

يرى آرنولد أن هذا المبدأ الإسلامي كان من أهمّ أسباب دخول الأفارقة في الإسلام خلال القرون الأخيرة، مؤكداً: « لا شك أن نجاح الإسلام في إفريقيا الزنجية يعود إلى انعدام كل إحساس باحتقار السود، ولم يعامله على أنه من طبقة منحطة، كما كان الحال ؟ لسوء الحظ ؟ في كثير من الأحيان في العالم المسيحي».

شاكر نوري