هل سمعت، أو قرأت عن صحافي مات سليم البدن، معافى القلب، هادئ العقل.. السؤال على غرابته سهل الإجابة، فهي وعلى الرغم من مرارتها تتلخص في حرف النفي «لا».. لا أحد من الصحفيين المعروفين يموت دون أن تصاحبه العديد من التقارير الطبية المفزعة من عينة:
«جلطة قلبية، نزيف في المخ، انفجار في الشريان التاجي، هبوط حاد في الدورة الدموية»، ومن ثم اكتئاب، أرق، توتر، ومشاكل نفسية عصيبة، وأصحاب هذه الفئة الأخيرة هم محور اهتمامنا في هذا التحقيق.. الصحفيون والمرض النفسي، على اختلاف درجاته ومسمياته، تعالوا نرصد التفاصيل عبر السطور المقبلة...مهن كثيرة تتعرض للإصابة بالمرض النفسي، مثل أهل الفن، والأدب؛ لحساسيتهم المفرطة تجاه القضايا الإنسانية، فهم أكثر عرضة إلى الاكتئاب، مثلما أكدت دراسات عديدة، كذلك مهنة الطبيب النفسي، الذي يتورَّط بشكل أو بآخر في حمل أعباء مريضه، ما يملؤه بالطاقات السلبية، ويصيبه بنفاد طاقته مبكرًا، لكن الأمر المثير هو ما أكدته دراسة حديثة تُفيد بإصابة مَن يعملون بمهنة الصحافة بأمراض نفسية، مثل «الاكتئاب، التوتر، والقلق»..
فالصحافة، مهنة البحث عن المتاعب، والكشف عن الأسرار، صارت بوابة من بوابات المرض النفسي، حيث يصنف محمد المهدي - صاحب الدراسة - الصحفيين إلى أقسام ثلاثة:
كتّاب «عابرون» يكتبون في كل الصحف «قومية، مستقلة، وحزبية»، ويتلوَّنون حسب أهواء الجريدة، يسعون للوجود في كل المنابر استعدادًا لاقتناص فرصة، وكتَّاب «متنطعون» يعرضون أنفسهم على كل الصحف لمجرد الظهور، وكتّاب «مطلوبون»؛ بسبب عمق أفكارهم، سلاسة أسلوبهم، أو طرافة ما يكتبون، لكنهم أصبحوا متاحين في جميع الصحف أكثر من اللازم لدرجة جعلت القرّاء يزهدونهم، وهم في سبيل البقاء والانتشار طوال الوقت يستسهلون ويكتبون أي شيء، بل يعيدون نشر المقالات نفسها التي نُشرت من ذي قبل.
وهذه الحالات ـ حسب المهدي ـ لا تُصنَّف على أنها أمراض نفسية بالمعنى الطبي، لكنها أقرب إلى التشوهات النفسية، وبعضها ربما يوضع تحت مظلة اضطرابات الشخصية.
«أزمة» ضمير
وعند البحث في مشاكل كل مهنة نصطدم بأزمة الضمير، التي تمثل الحاكم الفعلي لحماية البشر على اختلاف توجهاتهم، فالضمير إما أن يكون يقظًا، مخدرًا، أو ميتًا، وبما أن للقلم سُلطة، فإن أرباب الأقلام عُرضة للهجوم الحاد من قِبل الجماهير، أو من قبل مَن يواجهونهم بالمدح أو الذم؛ لذا فأهل الصحافة عُرضة للاتهام بغياب الضمير، خاصة في ظل اختراق هذه المهنة من قبل انتهازيين، أو متسلقين، أضاعوا الفرصة على موهوبين حقيقيين.
علماء النفس يتناقشون حول الدراسة المثيرة؛ حيث يُرجع كثير منهم سبب الأمراض النفسية التي تصيب الصحفيين إلى التناقض بين مبادئ الصحيفة، ومبادئ الصحفي، ما يسبب تراجعًا لل«أنا» عند الصحفي أمام قوانين صحيفته، وهذا التراجع يقوده إلى مرض نفسي خطير.
كما أن حالة غياب الضمير، وبيع الذمم، والمحاباة في اختيار قيادات إعلامية بمواصفات محددة، أدت إلى إصابات خفيفة بأمراض نفسية للكثير من العاملين بهذه المهنة المقدسة، وفي كل الحالات نسبة الفساد لا تزيد على 5%، لكنها نسبة كبيرة في وسط مهمته الأساسية حماية المجتمع، وتشكيل وجدانه، وبناء أساس قوي لمستقبل منتظر للنهوض بهذه الأمة.
الشرف مساويًا للفقر
وقد اعترف الكاتب الصحافي المصري عزازي علي عزازي أن الصحفيين مصابون بأمراض نفسية من الداخل والخارج، فكثيرون - حسب قوله - يمارسون الابتزاز بالكلمة، مفتقدًا بذلك الأمانة الإعلامية بشكل عام، وهذا النموذج يُحقق «آفة العدوى» تجاه تحقيق المكاسب بأي وسيلة في زمن يتطابق فيه الفقر مع الشرف..
مضيفًا أن الاكتئاب أيضًا يكون من نصيب الصحفيين بشكل أكبر؛ نظرًا لتحويل الصحفي مشاكل وهموم البشر إلى مادة صحفية يحصل بها على الرزق، خاصة أن الصحافة لا تهتم إلا بـ «الشاذ» من الأخبار وجرعات السواد، ومن المعروف أن بعض الصحفيين يحاولون خلق هالة إعلامية حول أنفسهم، ويتعالون على أقرانهم، وعندما يجدون أن الناس بدأوا يلفظونهم يعانون بعدها من الإحباط.
الأكثر عُرضة
وفي السياق ذاته، أوضح د. عبدالرحمن عويس، أستاذ علم النفس، أن مهنة الصحافة ليست وليدة الأمس القريب، لكنها موجودة منذ القرن ال19، إلا أن هذه المتاعب النفسية لم تتفاقم إلا في الآونة الأخيرة، إلا أن هناك من يرد الأمر إلى سرعة الحياة وأحداثها التي تتسم بالعنف، فمعظم الصحفيين الذين يقومون بتغطية الأحداث السياسية.
والحروب يتعرضون إلى القتل كثيرًا، فمثلاً في أحداث «غزة» الأخيرة تم تهديد العديد من صحفيي قناة «الجزيرة»، وتعرض آخرون للقتل في العراق، ومن ثم أصبح الصحفي تحت سيف الموت في أي لحظة، ما يجعل نفسه لا تتحمل كل هذه الآلام.. مشيرًا إلى أنه لا يمكن تعميم قضية إصابة الصحفيين جمعيهم بأمراض عصبية ونفسية..
موضحًا أن هناك فئة هي الأكثر عُرضة لمثل هذه الأمراض قائلاً: «أنه من غير المعقول أن صحفيًا يكتب في قسم الفن، الرياضة، أو متخصص في الكتابة عن الموضوعات النسائية والموديلات، يكون معرَّضًا للإصابة بأمراض نفسية وعصبية، لكن أستطيع القول إن صحفيًا متخصصًا في الشؤون الاقتصادية أو الأحداث السياسية هو أكثر عرضة لذلك».
وأضاف أن مثل هذه التخصصات الترفيهية بطبعها وسائل معالجة لأي إنسان، خاصة أن الفنون والرياضة تتيح للصحفي تغيير الأجواء بداخله، من خلال الذهاب إلى أماكن الاستمتاع، كما أن هناك نوعًا آخر من الصحفيين يتعرض لمثل هذه الحالات، وهم الصحفيون الشباب، خاصة أن حياتهم في بداية الأمر تكون مليئة بالطموحات التي تصطدم بالواقع الذي يسبب له عجزًا، ومن ثم يبدأ العامل النفسي لديه مرحلة التدمير إن لم يتعامل مع نفسه بعقلانية شديدة.
واستطرد قائلاً: «إن الصحفيين الشباب دائمًا ما ينظرون إلى غيرهم من الكبار، ويحلمون أن يكونوا مثلهم بين يوم وليلة دون مشقة، وذلك ما يسمى اصطلاحًا في علم النفس ب«التأثر بالبيئة المحيطة»، فالبيئة المحيطة لديه هي العامل الرئيسي الذي يحكم على مدى تقبله لوضعه من عدمه.
وفي حالة عدم تقبله لما هو فيه يبدأ في التمرد على الواقع، وتصبح لديه شخصية مكتسبة من الواقع توصف ب«الشريرة»؛ لأنها ليست شخصية الفطرة التي خلقه الله عليها، وإنما هي مكتسبة من ظروف أرغمته على هذا المكان».
ضد السياسة
من جانبه، قال ولاء مرسي، رئيس تحرير موقع «أخبار العرب نت»: «إن عدم رضا بعض الصحفيين بالسياسة التحريرية التي تنتهجها صحيفته يؤدي بهم إلى التمرد على الواقع، وهو لا يدري ماذا يفعل، نتيجة قيامه بشيء ضد رغبته، وهذا الأمر يجعله غير متزن نفسيًا».. مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها معظم الصحفيين، خاصة «المبتدئ» عامل يهدد الصحفي بعدم الاستقرار.
وأضاف أن الصحافة في مصر لا تعطي الصحفي حقه، فالبعض يتم تدريبه أكثر من عام، والبعض الآخر يتقاضى أجرًا ضئيلاً، فالعامل الاقتصادي لدى أي شخص يجعله إما مستقرًا، أو مريضًا نفسيًا، كما أن فكرة «السبق الصحفي» المطالب بها من يعمل بهذه المهنة من الشباب تجعله في بؤرة التوتر والقلق.
جنون العظمة يتفشى بين الإعلاميين
يقول الكاتب الصحفي محمد أبو الفضل: «ليس كل الصحفيين مصابين بالأمراض النفسية، لكن يمكن أن ترجع هذه الظاهرة إلى عدد من العوامل، منها الأضواء الإعلامية التي تؤدي إلى تضخم في ذات الصحفي، كذلك التعالي والغطرسة من قِبل بعضهم، فيجد كل منهم نفسه وقد ابتعدت مسافات طويلة عن حقيقتها الأساسية، وأحياناً يلجأ البعض إلى مداراة ضعفه المهني أو الشخصي، وبعد فترة يصاب ببعض الأمراض النفسية».
مشيراً إلى أن الانهماك في العمل قد يؤدي إلى نسيان هذا الصحفي أو ذاك، ما يؤثر في واجباته الاجتماعية، فالصحافة تحتاج إلى وقت كبير، وبعد أن يدرك الصحفي خطأه بعد فترة طويلة يكتشف أن الوقت قد مضى.. مؤكداً أن أولئك الذين يأخذون أكثر من إمكاناتهم يصابون بجنون العظمة، وحين تخفت الأضواء عنهم يكونون قد تورَّطوا في مرض نفسي لا شفاء منه.
ثنائية اللامعين والمغمورين
يقول د. يسري عبدالمحسن ، أستاذ الطب النفسي «هناك ما يسمى ب«الحقد الطبقي»، وأصحابه هم من لا يملكون الأمل، ولا يمتلكون مهارات تؤهلهم لأن يكونوا صحفيين ناجحين، ونظراً لطبيعة العمل الصحافي، فإن هناك إعلاميين وصحفيين لامعين، وهناك من هم مغمورون يحقدون على اللامعين، الذين قد يكونون في أعمارهم تقريباً أو أقل، وبالتالي ليس أمام هؤلاء إلا حمل الضغينة والحقد، وهذا ما يؤرقه نفسياً».
وأضاف أن هناك بعضاً من العصبية التي يصاب بها صحفيون نتيجة عدم قبولهم للأوامر التي قد تصدر من رؤسائهم في العمل نتيجة عدم اقتناعهم بها، فالصحفي بطبيعته حر، ولا بد أن يكون كذلك، ومن ثم من يريد قيد حريته فإنه يعلم أنه يقتله بطريقة غير مباشرة..
مشيراً إلى أن بعض رؤسائه قد يطلبون منه أشياء أكبر من قدراته، ما يصيبه بالإحساس بالعجز، كما أن الضغوط المالية أودت ببعض الصحفيين إلى الانحراف، وطالما أنه وقع في «فخ» الرشوة، فاعلم أنه لا يستطيع الخروج منه، وذلك يجعله يفكر كثيراً في طبيعة المسار الذي يسير عليه مستقبلاً، وكثرة التفكير في ذلك يجعله في حالة ضغط نفسي كبير.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

