لا تزال ذاكرة إدريس أحمد بهزاد، مدير أول قسم تطوير خدمات العملاء في جمارك دبي تبحث عن كل لحظة من لحظات الزمن الجميل الذي شهده في رحاب الشهر الفضيل، ولا يزال يحرص على سرد هذه الذكريات الجميلة كلما سنحت له فرصة، وكأنه يرجو عودة هذه الأيام الخوالي.
يقول إدريس: لهذا الشهر الكريم منزلة عند كل منا باعتباره شهر العبادات والطاعات، كما أنه شهر الخير والتطوع.. كان شهر رمضان الذي أذكره في أيام طفولتي يمر في فصل الصيف، أي في أوج الحر والرطوبة، يماثل في أجوائه الشهر المبارك هذا، وكان عمري آنذاك 9 سنوات عندما أدركت معاني هذا الشهر الكريم، غير أنني وكأي طفل، كنت أشعر بطول الفترة الزمنية أقضيها في الصوم.
وأذكر أن أفضل الأوقات التي قضيتها خلال الصيام كان قبل تناول وجبة الفطور حيث ألعب مع أصدقائي كرة القدم أثناء الإجازة الصيفية أثناء الصوم، وكنا نشعر بنشاط غريب يدفعنا إلى اللعب خلال الصوم دون كلل ولفترات طويلة، ولكن نحرص على العودة إلى بيوتنا قبل آذان المغرب.
دور الوالدين
وأذكر أنني بدأت صوم الشهر كاملاً في هذه السن، والمعروف أن النهار أطول من الناحية الزمنية من الليل خلال فصل الصيف، وبالتالي كان الحر شديداً، ومع ذلك كنا نستمتع بلعب كرة القدم أثناء الصوم، وأذكر أن الوالدين كان لهما أثر كبير في إقدامي على الصوم لأول مرة بعدما وضحا لي أنه فريضة وله فوائد جسمية ونفسية متعددة.
أيضاً أذكر لوالدي رحمه الله حرصه على تعليمي أداء فريضة الصلاة من خلال اصطحابي للمسجد لأداء الفروض، وعندما وصلت للتاسعة شجعني على الصوم، بالإضافة إلى شعور المفطر بالخجل من مواجهة أصدقائه أو جيرانه الصائمين، فيمكن أن أقول أن بيئة المنزل والحي الذي كنت أسكنه كان لهما أبلغ الأثر في إقدامي على الصوم.
ويضيف إدريس: كنا صحبة من الأطفال نسكن الحي وتربطنا صداقة قوية، أذكر منهم محمد سلطان الطواش، وفيصل الزرعوني وفاضل الزرعوني وحرصنا على المشاركة في كل شيء.. اللعب والتنزه والتنافس في الأعمال الخيرية البسيطة التي تسمح بها السن التي كنا بها، ورغم السنوات الطويلة التي مرت على ذكرياتنا ما زلنا على اتصال ونتذكر هذه الأيام.
تجربة المغرب
وعن تجاربه الرمضانية التي لا تنسى يقول بهزاد: سافرت إلى المملكة المغربية خلال شهر رمضان، وكما نعرف فإن الفرق في التوقيت بين الإمارات والمغرب أربع ساعات أضيفت هذه الساعات الأربع إلى إجمالي عدد ساعات الصوم في هذا اليوم فكان أطول يوم صمته في حياتي، إضافة إلى طول زمن الرحلة الذي وصل إلى تسع ساعات.
ويتذكر إدريس البطولات الرمضانية التي أقيمت في فريج عيال ناصر بمنطقة نايف قائلاً: كنا نحسن الاستفادة من الوقت خلال رمضان، فأقمنا بطولات في كرة القدم والكرة الطائرة وكانت المنافسات تستقطب الشباب من الأحياء المجاورة سواء للمشاركة أو حتى لمجرد الاستمتاع بالمشاهدة وأذكر أن فرق الفريج لم تفز بأية بطولة إلا أننا كنا نصل إلى المراحل النهائية من كل بطولة.
وعن أهم ذكرياته مع الأطعمة الرمضانية المحببة والتي يقبل الصائمون على تناولها في وجبة الفطور يقول بهزاد: كان (الثريد) أحب الوجبات على الصائمين خلال وجبة الإفطار كوجبة رئيسية، إضافة إلى (الهريس) وكنا نبدأ طعام الإفطار بتناول التمور.
ويضحك إدريس وهو يتذكر حرصه على التواجد دائماً في البيت قبل موعد الفطور بوقت كاف تجنباً للازدحام والسرعة، بينما اضطر للوصول إلى البيت متأخراً في إحدى المرات بسبب تسوق أغراض العيد في أواخر الشهر الكريم، ويؤكد أنها المرة الوحيدة التي واجه فيها هذه المصادفة وحرص من وقتها على عدم تكرارها.
سحور خفيف
يتذكر إدريس طعام السحور الذي تفضله الأسرة موضحاً أن الطعام الخفيف دائماً يفضل على الأطعمة الدسمة على اعتبار أن وجبة السحور يليها موعد النوم، يقول: أذكر أنني كنت أتناول الفطائر الخفيفة والسندوتشات خلال وجبة السحور، وكان السهر في الوقت الممتد ما بين الفطور إلى السحور يفرض نوع الطعام الذي نتناوله أنا والأصدقاء، فأحياناً يمتد الوقت أثناء مشاهدة البطولات الرياضية إلى الثالثة صباحاً وكنا نتناول أي وجبة سحور سريعة خارج المنزل خوفاً من فوات الوقت.
أما عن الأنشطة الرياضية في الفترة المسائية من أيام رمضان فيقول إدريس أحمد: كنا نحرص على إقامة الدورات الرمضانية والبطولات الرياضية في كل عام، وكنا نحرص على وضع كشاف كهربائي ضخم على سطح المنزل لتوفير الإضاءة اللازمة لإقامة هذه الأنشطة، وكان أبناء الفريج الواحد يشكلون فريقاً واحداً في كل المناسبات الرياضية أو الاجتماعية التي تشهدها المنطقة، وكنا نتسابق على القيام بأعمال الخير والبر أثناء الشهر الفضيل.
وعن التسالي الرمضانية خلال أيام رمضان في الماضي يقول إدريس: على وقت طفولتنا لم تكن هناك قنوات فضائية ولا إنترنت ولا أي وسائل ترفيه من الوسائل المتوافرة حالياً، فقنوات التليفزيون لم تزد على قناتين فقط، وحتى إن لم يكن الوضع كذلك، فمن غير اللائق بالشهر أن نقضيه أمام المسلسلات التليفزيونية أو البرامج غير الدينية لأنه شهر العبادات كما ذكرنا سالفاً، وأتصور أننا كأطفال أو حتى كشباب لم تكن أمامنا أوقات فراغ طويلة نقضيها أمام التليفزيون، لأن اليوم كله مرتب حسب البرنامج الذي أعده كل منا لنفسه.
دبي - أيمن حجازي
