الأيديولوجية الفكرية المعاصرة المنفتحة على الفرد، الفكر، الحياة، وفنون التثاقف في كل معطياتها وتعاملاتها التي أنتجت بل وشكلت جملة من السلوكيات والتصرفات ألبست العنصر البشري(الفرد) أردية لم تكن من صميم التشكل الأول، والغايات المتسامية في تطلعاته لصيرورة الحياة والاستقرار على كوكب الأرض، وأودت به للتردي الحاصل في الذوق العام والفكر العام والثقافة العامة.
إن الشطح بالأحلام لخارج النظم المنضبطة للعيش والاستقرار في نسق حياتي متلائم ومنسجم مع المعطيات المادية والسلوكية والاجتماعية والعقائدية والفكرية وحتى السياسية ومع الطبيعة الجغرافية، أفرز عصارة عسرة الهضم (لبّكت وشربكت) كل الطرق المواتية للتنفس على سطح الكوكب باتجاه القلب، فليس ثمة هواء يمر دون التخبط في أشباه صور البشر المنسلخين عن ذواتهم وهوياتهم، المتخبطين حتى في تسريح شعورهم واختيار هندامهم، وأصواتهم وألسنتهم، وعلاقاتهم، وانحرافاتهم في كيانهم.
كيف لا؟ وهذه الإفرازات أزالت الكثير من القيم الإنسانية وبدعوى التحرر والانفتاح، كرست أخرى، كما فسحت المجال للاغتراب الفكري خاصة لدى أولئك العابثين الباحثين عن هويات أخرى وعن ذوات تشبه الأخيلة لديهم، والصعود العشوائي نحو أجرام أخرى وأفلاك، بأي ثمن وبأي شكل ودون أي رادع أو التزام بقانون، وكأنهم نذروا لزمان صارخ، لا يسفر إلا عن بشر كما لو يتخبطهم الشيطان.
ناهيك عن التسطيح في التعاطي مع قشور الأمور وتحجيمها لحد الانتفاخ ثم الانفجار القسري لتحطيم التماثيل العابثة والماثلة في الفراغ، والانزياح عن الأمور المتشابكة والمؤرقة.
وعن المفاصل التي يرتكز عليها الاستقرار والأمن والبناء الذاتي والمجتمعي المفضي لتراكمات سوية متماشية مع التطلعات والغايات، ومنسجمة مع الصالح العام دون أن تترك نتوءات تستقر في العين محدثة غذى لا تعالجه الصور الهجينة، وإنما تزيحه العودة للأصل حيث السوية للمبدأ وللفكرة والسلوك، والوقوف عند عتبات الشائك والمؤرق.
الشاهد في موضوع الانسلاخ السلوكي والقيمي، والعبث في الموروث المادي والمعنوي، والتمثيل في القشور لتغيير الصور النمطية، وتظليل الملامح الأصيلة لعنصر بشري على بقعة أرض له أسم وعنوان وتفاصيل، له ملامح وصورة وتعابير، له هوية وذات وقيمة وله أصل وعرق وتاريخ، الشاهد ما دسه الانفتاح في أثواب الطاهرات من دنس ورداءة وتراجع في الذوق، وابتعاد عن قيمة الملبس والأصل فيه الستر، والعودة للجاهلية الأولى حيث التبرج والتبختر والخيلاء.
وحيث الرؤوس «كأسنمة البخت المائلة» والحلي أقراط في المناخر والشفاه، ناهيك عن تضارب الليل والنهار والصيف والشتاء فليس لكل مقام مقال، وإنما هو خلط واختراق لكل مذاهب التكوين والألوان، الصوف في الصيف والحرائر والكتان في الشتاء، وللخريف وصفة من إسراف في الألوان فلا تدري أأنت في خريف العمر أم في خريف المناخ أو ربيعه.
عائشة العاجل ـ الإمارات