أصبح الإسباني خوليو أباريشيو أشهر مصارع ثيران في العالم، في مايو الماضي، بعد أن تلقى نطحة هائلة في حنجرته من الثور الذي كان يصارعه، وانتشرت الصور المخيفة للحادثة عبر جميع وسائل الاتصال والإنترنت، لتظهر بوضوح قرن الثور وقد اخترق عنق أباريشيو، وخرج من فمه، لكنه عاش بمعجزة، وعاد بعدها بأسابيع قليلة إلى الحلبة الدموية، بعد أن تماثل للشفاء، لكن بحال غير الحال الذي كان عليه فيما مضى.
انطلق أباريشيو إلى الحلبة ذلك الصباح وهو خائف، ولأول مرة في مهنته تلك، التي تجاوزت العشرين عاماً، ذبح خلالها مئات الثيران، وما عادت ترهبه أصوات الجماهير الهادرة قبل انطلاق المصارعة، لكن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، فمصارع الثيران المشهور خائف، على الرغم من وجود صديقه فرانسيسكو بجانبه على الدوام، ويعمل فرانسيسكو مع أباريشيو على الحلبة، حيث يركب حصاناً ويقوم بطعن الثور عدة طعنات لإضعافه، وليس لقتله، ولا يفضل الجمهور أن تكون تلك الطعنات نافذة، لأن ذلك معناه أن الثور أصبح ضعيفاً بشكل كبير، بحيث أنه لن يقوى على المصارعة بعد ذلك.
اعتراف
بعد أن انتهت المصارعة، اعترف أباريشيو بأن تلك الساعات، التي مرت عليه، كانت من أصعب الساعات في حياته، لكن العاملين من حوله لم ينتبهوا لحالة الخوف تلك التي كان يمر بها، وكانوا يتعاملون مع الموقف على أنه جزء من عملهم الاعتيادي اليومي.
غير أن الأمر كان مختلفاً أشد الاختلاف بالنسبة فيما بعد لمديره الذي كان يبدو عليه التوتر، قبل انطلاق جولة المصارعة تلك، والتي ستحقق أرباحاً كبيرة للمدير، وسينال أباريشيو من ورائها 800,12 دولار، وهذا مبلغ كبير لقتل ثور، لكن السبب يكمن في عودة أباريشيو من رحاب الموت، حيث حضرت الجماهير بأعداد غفيرة، لكي تشاهده وهو يصارع من جديد.
ولو كان الصراع في مدريد لكان المبلغ أكبر، لكن هذه الحلبة كانت في المدينة الإسبانية الساحلية «بونتي فيدرا»، الواقعة في الشمال الشرقي لغاليسيا الإسبانية، وهي تعتبر من حلبات الدرجة الثانية، نظراً لبعدها عن مدريد، لهذا فإن الجمهور هنا مختلف عن جمهور العاصمة الإسبانية.
حيث أن الجمهور هناك يطالب مصارعي الثيران باللمحات الفنية المتألقة والأداء «الراقي»، بينما في «بونتي فيدرا» فإن الجماهير تأتي لرؤية الدم فحسب، بغض النظر عن الطريقة التي يسفك بها، لهذا فإن مصارعة الثيران في مدريد أكثر صعوبة وخطراً، لأن المصارعين يضطرون للاقتراب جداَ من الثور، إرضاء لطلبات الجماهير، وهذا قد يعرضهم لنطحة قاتلة.
قرار
بعدها بأيام فقط، اتخذ البرلمان الكتالوني قراراً بحظر مصارعة الثيران في المقاطعات الكاتالونية الأربع، وجاء القرار نتيجة للنقاشات حامية الوطيس التي كانت تدور بين الناشطين في مجال حقوق الحيوان، والمدافعين عن تراث وتاريخ إسبانيا، حيث يعتبرون أن مصارعة الثيران تشكل جانباً مهماً من التراث الإسباني العريق، وينبغي المحافظة عليه، وجل المناصرين لهذا الموقف هم من نخبة المثقفين والفنانين في إسبانيا.
ويقول الفيلسوف فيرناندو سافاتير : «لا يعتبر اعتداء على الحقوق، لو أننا أخذنا من الدجاجة بيضها، أو أخذنا من الخروف لحمه، أو من الحصان سرعته، أو من الثور شجاعته»، لكن مجهوداتهم تلك تبخرت في نهاية المطاف.
في مكان ما في تلك الساحات، وفي أوائل القرن الماضي، كتب الشاعر الإسباني فدريكو غارثيا لوركا قصيدة مشهورة في رثاء صديقه مصارع الثيران إغناثيو مخيس، واستوحى الرسامون الكبار، من أمثال غويا وبيكاسو، لوحات شهيرة لتخليد لعبة مصارعة الثيران، لكن مع بداية التحول الديمقراطي في إسبانيا، قبل ربع قرن، بدأت تلك المصارعة تواجه الانتقادات الحادة، لما تحويه من ممارسات وحشية بحق الحيوانات.
إعداد - يوسف جباعته
