في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.لم يكن الغرب يتوقع أن يظهر مستشرق بقامة البلجيكي جورج سارتون الذي ربط بين تاريخ العلوم وتاريخ الإسلام.
مؤكداً في نظريته أن لا تعارض بين الدين والعلم، تلك النظرية التي طالما أيدها معظم المستشرقون الغربيون، محاولين وضع الحدود بين العلوم والدين الإسلامي بشكل خاص. في كتابه الموسوعة «مقدمة في تاريخ العلم» يقول المستشرق البلجيكي بكل وضوح أن الفارابي أعظم الفلاسفة، والمسعودي أعظم الجغرافيين، والطبري أعظم المؤرخين. وبذلك، لم يتوقف سارتون عند العلوم الطبيعية والرياضية بل جاوزها إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية من تاريخ وجغرافيا وأدب وسياسة.
إنصاف العلماء المسلمين
يتتبع سارتون خطوات العلم في التاريخ الإنساني في أوربا وآسيا وأفريقيا دون أن يهمل شعباً قدم ولو إسهامه ضئيلة في بنيان الحضارة الإنسانية لأن العلوم ما هي إلا صرح يتم بناؤه لبنة لبنة من عصور الفراعنة ثم الإغريق والدولة البيزنطية حتى يصل إلى ظهور الحضارة الإسلامية.
ومن شدة حبه للعرب والمسلمين، فضل سارتون أن يصنّف عصور التاريخ بأسماء ابرز العلماء العرب، إجلالاً لهم. فأطلق «عصر جابر بن حيّان على النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي. وأطلق «عصر الرازي» على النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي. فيما أطلق «عصر المسعودي» على النصف الأول من القرن العاشر الميلادي. وانتهى بإطلاق «عصر الخوارزمي» على النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وتتمثل وجهة نظر هذا العالم بأن العالم العربي ـ الإسلامي لم يكن سوى صراعاً نحو قمة الإبداع العلمي. وهذه حقيقة باتت ماثلة رغم محاولات بعض المؤرخين في ابخاس ما قدمه العرب والمسلمون للعالم. ولم يأت هذا الوصول إلى ذروة الإبداع العلمي من فراغ، فقد وقف العرب والمسلمون على حضارة كبيرة لأن الظروف كانت ملائمة آنذاك لتفتح العقل العربي والمسلم.
ومتى ما تهيأت هذه الظروف، يمكن أن يعيد التاريخ نفسه، إذ يقول:»إن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى عظمتهم الماضية والى زعامة العالم السياسية والعلمية كما كانوا من قبل لو أنهم عادوا إلى فهم حقيقة الحياة في الإسلام والعلوم..».
واستشهد بمقتطفات تاريخية من زمن الفتوحات، حض فيها الإسلام على أهمية الاقتباس من الحكمة وطلب العلم دون التقيد بأية جهة، لذا دأبوا على نقل ما أمكن من تراث علمي، يوناني أو فارسي أو هندي أو سرياني، إلى لغتهم منذ القرن الأول للهجرة. ولم تمض سوى ثلاثة قرون حتى تمثلت الشعوب العربية هذه العلوم.
العلم في مصر وبلاد الرافدين
أراد سارتون أن ينهل العلوم القديمة من منابعها الأصلية، لذا قام بزيارة عدد كبير من المكتبات والمتاحف العالمية، حيث اطلع على أقدم المخطوطات العربية وغير العربية. ولعل إتقانه اللغات القديمة من اليونانية واللاتينية والعربية والعبرية والصينية إلى السنسكريتية، وكذلك الفرنسية والانجليزية والألمانية، ساعده على فهم علوم وحضارات الآخرين.
ومن أجل تعميق هذه الفكرة، تتبع آثار هذه الحضارات من الخيال والأوهام والسحر والشعوذة إلى مرحلة التفكير الموضوعي: التجربة ومحاكمة العقل. ونشر أبحاثه التاريخية والعلمية في مجلتين، أسسهما، الأولى «إيزيس» عام 1912، والأخرى «أوزيريس» عام 1936.
وأثارت أبحاثه في بادئ الأمر دوياً صاخباً عندما قال بأن العلم لم يظهر في اليونان وإنما في مصر وبلاد الرافدين. وأكد على ظهور حضارات أخرى ظهرت في الصين والهند وبلاد فارس، وذلك في مؤلفه الشهير» المدخل إلى تاريخ العلوم (1929 ـ 1948).
فقد سبقت المعجزة اليونانية آلاف الجهود العلمية في مصر وبلاد النهرين، وغيرهما من الأقاليم، فالعلم اليوناني كان إحياءً أكثر منه اختراعاً. وكان الغرب قد أهمل العلم القديم لفترة من الزمن.
فالمعروف إن العرب لم يكن يمتلكوا العلوم قبل الإسلام، فيما عدا بعض التجارب اليومية عن الطب أو الطبيعة: مطلع النجوم والكواكب ومعالجة بعض الأمراض إلى أن جاء الإسلام، وأطلق الثورة العلمية الكونية.
ويعود الفضل في ذلك إلى الفتوحات التي أتاحت الاتصال بالحضارات القديمة. كما لم يخربوا المؤسسات العلمية لأهل الكتاب، بل على العكس من ذلك، قاموا بترجمة بعض المؤلفات الفلسفية أو العلمية من اليونانية والسريانية.
وهكذا تمت ترجمة بعض المؤلفات في الكيمياء والطب منذ العصر الأموي تحت إشراف خالد بن يزيد بن معاوية، الذي أنشأ أول خزانة للكتب في مدينة دمشق. ومنذ القرن الأول للهجرة ظهرت بين الكوفة والبصرة دراسات لغوية ودينية. ثم أخذت تنمو وتترعرع طوال أربعة قرون تألق فيها كل من الكندي والرازي والبيروني والبتاني وابن سينا والفارابي وغيرهم.
وأشار ساترون إلى أن العلماء العرب والمسلمين تحلوا بالأمانة العلمية، وتميزوا بالروح النقدية من خلال ذكر مصادر المعلومات. وحفظوا أسماء علماء، ينتمون لقوميات مختلفة. وعرّبوا أسماء ومفردات الأدوية من نباتات أو حيوانات أو معادن لم يعرفها العرب من قبل كما دونها ابن بيطار في مؤلفه «كتاب الجامع» لمفردات الأغذية والأدوية أو ظهور ابن الهيثم كأكبر عالم طبيعة مسلم في علم المناظير «الضوء» على الإطلاق.
الإسلام والعلوم
تكمن أهمية سارتون في أنه جمع بين العلم والإيمان والإنصاف والروح الموضوعية، فقد كان يقدر اللغة العربية «وهبَ الله اللغة العربية مرونةً جعلتها قادرةً على أن تدوّن الوحي أحسن تدوين... بجميع معانيه ولغاته، وأن تعبّر عنه بعباراتٍ دقيقة وميسرة».
وكذلك قوله «.. لم يكن محمد (ص) نبي الإسلام فحسب، بل نبي اللغة العربية والثقافة العربية، على اختلاف أجناس المتكلمين بها وأديانهم». وربط بين تطور العلوم وانتصار الإسلام» انه لم يتح لنبي من قبل.. أن ينتصر انتصارا تاما كانتصار الرسول محمد (ص).... كان زاهداً وفقيهاً ومشرعاً ورجلاً عملياً». وأكد على أن ما يتضمنه الإسلام من النظرة الشمولية إلى الحياة والمجتمع «كان النبي محمد (ص) أشمل في دعوته وأعمق من كل من سواه من الأنبياء».
وقد مهّد الإسلام لتطور العلوم، مؤكداً على أهمية علمائه، ورأيه في مقدمة ابن خلدون «لن أتردد في تعريفها كأهم الأعمال التاريخية في العصور الوسطي».
أما فيما يتعلق بكتاب «نهاية الطلب»، فيقول في كتابه المذكور «المدخل إلى تاريخ العلوم» بأنه يعد من أهم الكتب التي أنتجها العقل العربي؛ لما فيه من معلومات دقيقة عن إنتاج عمالقة علماء الإسلام مثل:
جابر بن حيان، والرازي. وقام باستخلاص آرائه عبر خمسة كتب أساسية في التراث العلمي العربي، وهي:»البرهان في أسرار علم الميزان»، و«غاية السرور»، و«نهاية الطلب في شرح المكتسب وزراعة الذهب»،و»التقريب في أسرار التركيب في الكيمياء»، و«كنز الاختصاص في معرفة الخواص»، ومعظمها ترجم إلى اللغات العالمية.
شاكر نوري


