حينما يعايش الإنسان مواقف وذكريات رمضانية قاسية وهو في الغربة فمن المؤكد أن ذاكرته لن تتمكن من التمرد على أدق تفاصيل تلك اللحظات مهما تعددت السنوات، لأن في تلك المواقف معاني وعظات كبيرة.
وهي تدلل على حالة مرتبطة بثقة بأدق تفاصيل ديانته، ومهتمة بأداء الواجب الديني في مختلف الظروف.. أما حينما تسوقه الطفولة البريئة إلى مطبخ يعج بأصناف الحلويات والمأكولات قبيل حلول موعد الإفطار، فيأكل منها ما تمليه عليه نفسه البريئة ويضطر إلى تورية الخطأ بالتظاهر بالألم حتى لا يكشف سره، فذاك موقف حتماً لا يخلو من الطرافة.
مشاهد كثيرة يرويها العميد محمد صالح بداه، مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بالوكالة في وزارة الداخلية، وهي التي تختص بذكريات شهر رمضان على وجه الخصوص، ولا تزال تلتصق بذاكرته الحديدية أو حتى تحفظ في مذكراته الورقية، كيف لا وهي مواقف تعبر عن رحلة معاناة إما مع صعوبة الصيام بالنسبة له كطفل، أو كرجل وهو في بلاد الغربة حيث لا يسمع فيها أذان أو ما سواه من مؤنسات الشهر الفضيل.
موقف طريف
بدأ العميد بداه صوم شهر رمضان وهو في عمر صغير لم يكن يتجاوز السبعة أعوام، وبحكم أن للإنسان نصيبا من طفولة لا تمحى مهما بلغ من السنوات عمراً، يذكر بداه موقفاً طريفاً واجهه وهو صائم، حيث يقول:
في أحد أيام الشهر الفضيل وحينما كنت في التاسعة من عمري، دخلت مطبخ البيت فوجدت على الرف الحديدي طبقاً من الحلوى معدة بشكل مغر وجذاب، وقد سولت لي نفسي أن آكل منها شيئاً فلا أحد سيعرف أنها نقصت. ذلك الموقف حتماً لم يكن يحسد عليه أبداً، كيف لا وقد تبقى لموعد الإفطار ساعتان أو يزيد، ويضيف:
بدأت أعاين الحلوى خلسة ولعابي يسيل شهية لها ولم أستطع المقاومة إطلاقاً، وأكثر من ذلك نسيت أنني صائم وتناسيت كل شيء ما عدا الحلوى اللذيذة، وسريعاً أخذت قطعة منها وبدأت في أكلها، وعلى حين غرة، دخلت والدتي «رحمها الله»، وحينما فوجئت بها تظاهرت بالألم في بطني وارتميت على الأرض وطلبت الماء حتى أداري موقفاً خاطئاً، حيث لا تزال بقايا من الحلوى في فمي، وحينما جاءت الوالدة بالماء قلت لها «الحمدلله فقد ذهب الألم بفضل رمضان، لا أريد أن أفطر».
طقوس اليابان
ذلك موقف طفولي طريف لا يزال عالقاً في ذاكرة العميد محمد بداه الرمضانية، في حين أنه عايش مواقف أخرى مفصلية في حياته الرمضانية، ومنها ما حدث معه حينما سافر إلى اليابان في العام 1986 في مهمة تدريبية لمدة ثلاثة شهور، حيث يقول إنه وصل إلى هناك في اليوم الخامس من رمضان، وكان من ضمن برنامج الدورة زيارة بعض الأماكن السياحية والمعالم المختارة من قبل القائمين على برنامج الدورة.
يقول العميد بداه: صادف في العشر الأواخر من رمضان أن زرنا معبداً كبيراً، وجميع من كانوا معي في الدورة من غير المسلمين، وعند مدخل المعبد طلب منا تأدية بعض الطقوس الدينية أثناء الدخول والوقوف أمام «الصنم» أو التمثال الذي يزن نحو سبعة أطنان، تماماً كما فعل الراهب الكبير والرهبان الآخرين في المعبد.
ويضيف بداه: أنه وبعد الانتهاء من طقوسهم طلبوا من الوفد تأدية بعض الطقوس منها الانحناء والسجود أمام التمثال مع ترديد كلام أشبه بغناء قبائل أفريقيا، وكل زملائي في الدورة أدوا الطقوس المطلوبة باعتبارهم غير مسلمين، إلا أنا لم أفعل، فدهش الراهب الكبير ومن معه، فجاء إلي وملامح الغضب في وجهه فأخذني جانباً وسألني «لماذا لم تفعل مثلهم»، أما أنا فكنت متوقعا ذلك السؤال وأجبته على الفور:
أنا مسلم وصائم في شهر رمضان، ولي رب هو الله سبحانه وتعالى يحيي ويميت، أسجد وأركع له وحده، أما ما تعبدونه أنتم فعبارة عن صنم مصنوع من النحاس لا يضر ولا ينفع.
أجابه الراهب: لكن العرب قد عبدوا الأصنام، فرد عليه العميد بداه: نعم ولكن ذلك كان في عهد الظلام والجاهلية، وحينما ظهرت شمس الإسلام حطم كل ذلك وبقي المعبود الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، خالق السموات والأرض ورازق الطير والحيوان والإنسان.
الإسلام أقوى
ويؤكد بداه أنه بعد ذلك شعر أن الراهب اقتنع في كلامه وإن لم يفصح عن ذلك، فهو على ما يبدو على علم ودراية بالديانات السماوية، و«في النهاية عبر لي عن التقدير والاحترام، واعتذر عن سؤاله وطلب مني بعض الكتب الدينية والإسلامية باللغة العربية أو لغته إن وجد»، وذلك كما يؤكد العميد محمد صالح بداه موقف لا يمحى إطلاقاً من ذاكرته وهو مرتبط بذكريات الشهر الفضيل، وقد أبلى فيه بداه بلاءً حسناً وأظهر أن الإسلام والمسلمين أقوى وأثبت على الحق.
وفي كتابه الذي حمل اسم «محطات من الحياة» يسرد المؤلف محمد صالح بداه مواقف أخرى لا تخلو من الصعوبة والصبر والالتزام، فأثناء رحلته إلى اليابان قبل ربع قرن تقريباً، وجد بداه نفسه صائماً وفي مواجهة ظروف لا تخلو من التعقيد، فهو لا يعرف مواعيد الصلاة أو الإمساك أو الإفطار أو حتى اتجاه القبلة هناك.
دبي ـ عنان كتانة
