على الرغم من أن العمل عبادة، وأن الله عز وجل يثيب العامل إن أحسن عمله، وأن صيام رمضان لا يجب أن يكون مبرراً للكسل والخمول وتعطيل مصالح الناس، إلا أن كثيرا من الموظفين، يرفعون خلال الشهر الكريم شعار:
الرجاء المحاولة بعد العيد، متذرعين بأن الصيام، ينهكهم ويؤثر على نشاطهم بالسلب، ومن ثم يلجأون إلى ما يمكن تسميته بحالة «البيات الرمضاني» حيث يذهبون يومياً، إلى مقار عملهم، فقط ليجلسوا على مكاتبهم دون أن يحركوا ساكناً، ولتذهب مصالح الناس إلى الجحيم.وتصيب هذه الحالة الغريبة المراجعين بالغضب والضجر، خاصةً في حال اضطرت الظروف بعضهم للتردد على الوزارة أو الهيئة ذاتها، عدة مرات لتخليص ذات المعاملة، مما يرهقهم في هذا الطقس الحار، ويعطل مصالحهم العاجلة. فهل صحيح أن الصيام يؤدي إلى الخمول والكسل، أم أن الامتناع عن الطعام، يجدد نشاط الجسم والعقل؟ وماذا يقول مراجعو مؤسسات الدولة عن هذه الظاهرة؟ وهل هنالك ثمة إجراءات يتم اتخاذها ضد الموظفين المتكاسلين في رمضان؟
مفهوم خاطئ
يجيب الدكتور سمير غويبة أخصائي طب الأسرة، مسئول الإعلانات الصحية في وزارة الصحة عن السؤال الأول قائلاً: يشيع البعض أن القدرة على التركيز والعمل تنخفض في رمضان بسبب الصيام، وهذا الزعم خاطئ، لا يستند إلى أي دليل علمي طبي، بل على العكس، فقد كشفت دراسة ألمانية أن الصوم في حال اقترن بالتغذية الصحية المتوازنة، يؤدي إلى حرق دهون الجسم الفائضة عن حاجته، مما يجدد نشاط الخلايا ويزيد من كفاءتها.
وليست هذه هي الفائدة الصحية الوحيدة للصيام، فهناك مجموعة أخرى من الفوائد، من أبرزها: أن الجسم خلال الصيام يمارس ذاتياً عملية الهدم التي يتخلص فيها من الخلايا القديمة .
وكذلك الخلايا الزائدة عن حاجته، ونظام الصيام المتبع في الإسلام، والذي يمتد نحو أربع عشرة ساعة من الجوع والعطش ثم بضع ساعات إفطار، هو النظام المثالي لتنشيط عمليتي الهدم والبناء، وهذا عكس ما كان يتصوره الناس من أن الصيام يؤدي إلى الهزال والضعف.
ويتابع: إن الحديث النبوي الصحيح «صوموا تصحوا» يجب أن يوضع أمام أعيننا دائماً، حينما نتحدث عن فوائد الصيام، فالرسول صلى الله عليه وسلم، حينما يقر أمراً يجب أن نسلم به، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهو الذي تلقى العلم من السماء صافياً لا يأتيه الباطل.
فوائد متعددة
وقد أكدت دراسات علمية لجامعات غربية، أن الصيام يعود على الجسم بمجموعة كبيرة من الفوائد، فهو يساهم في تقليل نسبة سكري الدم، والكوليسترول، ويساعد المعدة على استعادة نشاطها، ويزيد من كفاءة الدورة الدموية، ويقي من الإصابة بمرض النقرس.
كما يعتبر وسيلة لتخفيض الوزن، وممارسة الحمية الغذائية، ويفيد الصوم أيضاً في استعادة نشاط الوظائف الحيوية للكبد والكلى، هذا فضلاً عن كونه رياضة روحية مفيدة، وهناك دراسات أوروبية تذهب إلى أنه يساعد في التخلص من بعض حالات الاكتئاب. إذن... لماذا يصاب البعض بالخمول في رمضان؟
يقول الدكتور سمير: إن المشكلة لا تكمن في الصيام بحد ذاته، وإنما في الممارسات الخاطئة التي يصر البعض عليها، خلال الشهر الفضيل... حيث يتعمد البعض بعد الإفطار، حشو المعدة بكل ما تقع أياديهم عليه من طعام، ويبالغ البعض الآخر في احتساء الشاي والقهوة، وتدخين السجائر والشيشة، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى إرهاق المعدة.
وزيادة نسبة الكولسترول في الدم، وعلى الأغلب الأعم يقترن هذا الشره الغذائي، بالكسل والجلوس ساعات طويلة، أمام شاشات التلفزيون لمتابعة السيل الدرامي الذي ينهمر على عقول الناس، مما يزيد الطين بلة.
ومن السلوكيات الخاطئة أيضاً، أن غالبية المسلمين، يتنازلون عن عادات النوم الصحية، خلال رمضان، فتمتد سهراتهم إلى ساعات الصباح، ولا ينامون إلا بعد الفجر، ومن ثم يصابون بالخمول والكسل وعدم القدرة على التركيز، لدى التوجه إلى مقار عملهم.
ويؤكد أن رمضان بريء مما يدعيه البعض، فهذا الشهر الفضيل، يحمل كل الخير للصائمين، ولا يمكن أن يزعم البعض بأن الصيام مبرر للكسل والخمول والتقاعس عن خدمة الناس أو المراجعين، في حين أن سلوكياتهم الغذائية والصحية الخاطئة، هي سر خمولهم وعدم قدرتهم على العمل.
غضب المراجعين
من جانبهم أبدى مراجعون لعدد من المؤسسات الحكومية ضيقهم من البطء الذي يعتري عملية تخليص المعاملات في الشهر الكريم، واقترح بعضهم أن تخصص المؤسسات الخدمية، وذات الاتصال المباشر مع المراجعين، بتخصيص عدد من الساعات، بعد الإفطار لتيسير الإجراءات.
ويقول كميل حماد - مخرج ومالك شركة إنتاج تلفزيوني خاصة: أحرص قبل رمضان على إنهاء أية معاملات معلقة لشركتي مع الجهات الحكومية، ذلك أنني من الخبرات السابقة، أعلم أن العمل سيسير بسرعة السلحفاة، وأن المعاملة التي يمكن الانتهاء منها في يومين، ستستغرق إسبوعين.
وهذا الوضع المعوّج يتطلب من مسؤولي الدولة، ممن يرتقون المناصب الإدارية في المؤسسات التي تتعامل بشكل وثيق مع المراجعين، أن يفرضوا إجراءات عقابية مشددة، على كل متخاذل يتخذ من الشهر الكريم ذريعة للتقاعس عن عملهم.
ويؤيده في الرأي سيف الزعابي - موظف حكومي- حيث يقول: هناك موظفون يحرصون على التخلص من المراجعين في رمضان، عبر الزعم بأن الأوراق غير مستوفاة، أو لأن المسؤول المخول بالتصديق، في إجازة، وما إلى ذلك من المبررات الواهية، التي لا تستهدف إلا التحلل من واجباتهم.
ويضيف: من غير المقبول أن يتم هذا التعطيل المتعمد لمصالح الناس، وليس لائقاً أن يتعامل بعض الموظفين مع حاجات المراجعين بهذا القدر من الاستخفاف، مؤكداً أن فكرة تطبيق الدوام المسائي الجزئي قد تساهم إلى حد كبير في التخلص من هذه الظاهرة الغريبة وغير المتسقة مع روح وطبيعة شهر رمضان المبارك.
ويرى بدر محمد - مدير إقليمي لشركة أثاث منزلي كبرى- أن ما تعانيه بعض المؤسسات من صمت وخمول، يستدعي أن تحدد إدارات هذه المؤسسات إجراءات عقاب مشددة على الموظف المتخاذل، وأن تهتم أيضاً بتحديد ساعات دوام مسائية، بحيث يتم استقبال المراجعين في غير أوقات الصيام.
ومن المفيد أيضاً أن تخصص كل مؤسسة حكومية، خطاً ساخناً لتلقي شكاوى أي مراجع يشعر بأن هنالك من يتعمد التهرب من خدمته، وهكذا سيشعر كل موظف بأنه تحت الرقابة كل الوقت، مما سيدفعه إلى الحرص على تأدية مهام عمله، كما ينبغي أن يؤديها.
العقاب بانتظار الموظف المتكاسل
أكد الدكتور أمين الأميري المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص بوزارة الصحة، حرص الوزارة خلال شهر رمضان المبارك، على خدمة العملاء وفق أعلى المعايير، وبما ينسجم مع توجيهات الدولة، ويحقق مصالح الناس، وأفضل معدلات الإنتاج.
وقال: إن الوزارة تؤكد على موظفيها في مختلف المواقع، أن العمل في رمضان يجب أن يتم وفق الوتيرة المعهودة في الأيام العادية، وأنه لا توجد أعذار لأي موظف يتقاعس عن تأدية الأدوار المنوطة به، وهناك آليات رسمية يتم اتخاذها ضد الموظف المتكاسل، كما توجد آليات لتقدير الموظف المتفاني، تشمل العلاوات التشجيعية والسنوية.
وأضاف: إن المراجع أو العميل الذي يصطدم بأي موظف متكاسل، يستطيع على الفور التقدم بشكوى رسمية للوزارة عبر عدة وسائل اتصال متاحة للجميع، من أبرزها: الخط الهاتفي الساخن، والتوجه إلى إدارة الاتصال الحكومي، والبريد الالكتروني، مشيراً إلى أن الوزارة ستهتم بالنظر في أية شكوى تصل إليها، وستقوم بإبلاغ المشتكي بنتيجتها حرصاً على مبدأ الشفافية.
من جانبه أكد محمد علي المرر مدير إدارة خدمة العملاء في بلدية أبوظبي، أن مراكز خدمة العملاء ستواصل استقبال المراجعين وعملاء البلدية كالمعتاد طيلة أيام شهر رمضان المبارك، وذلك حرصا على تقديم أفضل الخدمات للجمهور، وإيجاد آلية مرنة في التوقيت تناسب الجميع بأسلوب يحقق الراحة ويحفظ الوقت، ويخفف الجهد ما يعزز المكانة الرائدة للبلدية، ويجسد مسؤوليتها المجتمعية في إطار إستراتيجية شاملة لبناء منظومة عمل متكاملة تشكل إضافة حقيقية إلى كافة خدماتها المتميزة.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى - دبي - «البيان»

