في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم. ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.

لم يُسأ فهم دين في التاريخ المعاصر كما أسيء فهم الدين الإسلامي... نزعت المستشرقة كارين أرمسترونغ رداء الرهبنة والتعبد، وانطلقت نحو آفاق البحث في الأديان وثقافاتها الواسعة. وقد عبرت عن ذلك من خلال كتابها«من البوابة الضيقة وبداية العالم»، تحكي عن السنوات السبع التي أمضتها في دير كاثوليكي انكبت فيه على دراسة اللاهوت والأديان السماوية، فكان كتابها الهام «تاريخ الله»، وصفاً مشوقاً وواسعاً عن تطور الإيمان في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية طيلة أكثر من أربعة آلاف عام من التاريخ البشري. ولم تكتشف الإسلام إلا عند زيارتها إلى القدس:« زرت القدس وساهمت في برنامج تلفزيوني عن المسيحية، وبدأت أفهم العلاقة الموجودة بين الأديان الثلاثة في هذه البقعة من العالم.

ومن هناك بدأت مؤلفاتي عن الإسلام تأخذ طريقها إلى النشر. فقد طلبت مني مجلة «نيويوركر» أن أكتب مقالة عن الإسلام، لأنني طرحت شخصية الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم) كرجل سلام، وهذا ما لم يكن يوافق أجندتهم السياسية. وهذا ما يؤكد لي أن الناس في الغرب بحاجة إلى معرفة الإسلام كدين كوني، وليس فيه أي توجه معاد للغرب عكس ما يروج له البعض». ومن هنا ألفت كتابها «القدس مدينة واحدة وثلاث معتقدات» التي تشرح فيها الديانة التوحيدية التي تحض على التعايش السلمي بينها، وعدم الاستسلام للأصوليات التي تنبثق في جميع الأديان الكبرى. ولم يسلم دين من هذه الظاهرة. فقد تمثلت هذه الأصولية في البوذية والكونفوشيوسية. وشددت على أن الغرب الذي يتهم الإسلام بالأصولية، كان هو الحاضن لها، فظهرت الأصولية أول ما ظهرت في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. وكان الأميركيون البروتستانت، أول من استخدم الدين لأغراض سياسية.

تفجيرات الـ 11 من سبتمبر... تغيرت النظرة إلى الإسلام بعد تفجيرات الـ 11 من سبتمبر 2001، فقد انهال الأميركيون على المكتبات من أجل اقتناء نسخة من القرآن الكريم لأنهم كانوا يريدون التعرف على الإسلام. هكذا تقول ارمسترونغ. وتضيف: «عندما ألقيت محاضرة عن الإسلام في نيويورك، حضرها الجمهور بعد أن قطع نحو 20 ميلاً لمتابعة المحاضرة. وأن أحداث ال11 من سبتمبر صعقت الأميركيين لأنها وقعت في عقر دارهم بينما اعتادوا أن تكون حروبهم بعيدة عنهم مثل ما حدث في فيتنام فيما مضى أو في العراق أو أفغانستان في الوقت الحالي. ويعتبر الأميركيون أنفسهم طيبين لذلك يتساءلون لماذا تحدث لنا هذه الكوارث؟!» وفي هذا السياق، حاز كتابها «الإسلام تاريخ مختصر» على اهتمام كبير من الكونغرس الأميركي الذي وزعه من أجل معرفة المزيد عن الإسلام». وفي ظل الاهتمام العالمي بالإسلام، تحولت ارمسترونغ إلى نوع من المتكلمة، ذات الشعبية الواسعة. ويكمن أهميتها في أنها ساعدت على بناء وجهة نظر معتدلة نحو الإسلام.

علاقة الغرب بالشرق

تدرك ارمسترونغ جيداً أن شخصية الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم) مثيرة للجدل في الغرب، بل انها الشخصية المحورية التي، تشّكل العامة آراءها حول الإسلام. لذا سارعت إلى تأليف كتاب هام عن سيرة الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم)، متتبعة صعود الإسلام في العالم العربي في القرن السابع، وخصوصا في مكة. وتصف الصراع بين مكة والمدينة، على مدى عقد من الزمان، على أنه كفاح اقتصادي وسياسي، شكله الديني، بانتصار المدينة المنورة.

وساهمت المؤلفة في تصوير الحياة والمجتمع أثناء عصر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، والإنجازات الكبيرة التي استطاع أن يطورها في مدة قصيرة. ومن خلال ذلك، تمكنت من شرح رؤية القرآن ل«أهل الكتاب»، وأن المفهوم الإسلامي يدل على أن التوحيد واحد في الإسلام، والنصرانية، واليهودية.

واهتمت ارمسترونغ بالأصوليات التي اعتبرتها كالسرطان الذي ينخر جسد جوهر الديانات ورسالاتها السماوية في كتابها الجديد«معركة الله: تاريخ الأصوليات»، الذي تركز فيه على أن الأصوليتين الدينيتين المسيحية واليهودية أكثر تطرفاً بما لا يقاس من الأصولية الإسلامية، أو على الأقل أن الأصوليات المتطرفة الثلاث تتشاطر قواسم مشتركة.

وفي «الحرب المقدسة»، ذهبت إلى أن الحروب الصليبية تميزت بوحشيتها وعدوانيتها وقساوتها، بينما اعتبرها الغرب خيّرة وايجابية. وحذرت المستشرقة والمفكرة البريطانية من استخدام النص المقدس كبرنامح سياسي ثقافي حسب مفسري الأديان لأن ذلك يقود إلى دمار المجتمعات. وسعت من هذه المؤلفات إلى توضيح العلاقة بين الغرب والشرق، والتي لم يصل إليها أحد من المستشرقين بوضوحها وموضوعيتها.

إساءة فهم الإسلام

ونتيجة لذلك، فإن سوء الفهم المتأتي من جهل الغرب للإسلام هو أحد المعوقات التي ناقشتها المستشرقة، حيث تقول في كتابها «موجز في تاريخ الإسلام» :«لم يُسأ فهم دين في التاريخ المعاصر كما أسيء فهم الدين الإسلامي. فقد ارتبط في الذهن الشعبي الغربي كعقيدة متطرفة، تشجع على إقامة الدول الشمولية واضطهاد المرأة وإشعال الحروب الأهلية وممارسة الإرهاب».

وعلى مدى مؤلفاتها التي بلغت أكثر من 22 كتاباً، تحاول ارمسترونغ أن توضح سوء الفهم هذا، وخاصة بين أوساط الجمهور الغربي الذي يجهل الإسلام تماماً. وكما أكدت المفكرة البريطانية، في مقابلتها مع كاتب السطور« لا تزال القوالب الجاهزة التي تعود جذورها إلى زمن الحروب الصليبية تسيطر على أذهان بعض الغربيين للأسف الشديد، وقد قرأ الجمهور الانجليزي كتاب سلمان رشدي «آيات شيطانية» لكنه لم يطلع على حياة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).

ولو كان القارئ الانجليزي مسلحاً بالمعلومات الكافية لما انطلت عليه هذه الخديعة». وعلى هذا الأساس، تأتي جميع كتبها لتصحيح هذه المفاهيم والمواقف الجماعية الخاطئة عن الإسلام.

وفي تناولها الدين الإسلامي، فإن ارمسترونغ ترى أن القرآن الكريم منح المسلمين مهمة تاريخية، تتمثل في خلق مجتمع عادل يحظى كل أفراده بنفس القدر من القيمة والاحترام، وهذا يعني أن شؤون الدولة غير معزولة عن الشؤون الروحية عند المسلمين. وترى أن المسلمين استطاعوا على امتداد تاريخهم أن يطوروا شعائرهم وفلسفتهم ومناهجهم الدينية الخاصة في مواجهة الأحداث السياسية في المجتمع الإسلامي.

ومن مشكلات سوء الفهم الغربي للمجتمع هو انتشار القوالب الجاهزة فيما يخص المرأة، وتسعى إلى توضيح هذه الظاهرة بقولها:«بينما حجز المسلمون نساءهم في البيوت ولم يخرجوهن إلى الشوارع تقديراً لهن، ولأنهم يعتبرون زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم حَرَماً خاصاً وذاتاً مصونة وجواهر مقدسة يصونونهن ويحملون عنهنّ عبء الامتهان في الأسواق والطرقات». لم يفهم البعض هذا الموضوع، وحاولوا إسقاط واقع المجتمع الغربي، وتمرد المرأة على المجتمع الإسلامي.

وبالنسبة لها، تختلف ظروف المجتمعين، وتطور وسائل الإنتاج فيهما، لأن الغرب غيّر وجه العالم من خلال تقديم نمط جديد من الحضارة المعتمدة على التكنولوجيا، ولم تتأثر بالقيم الروحية والدينية. وقد استغرقت تطور المجتمعات في كل من أوروبا والولايات المتحدة نحو ثلاثمائة من أجل بلورة هذه الحضارة التي تنبض بقلب بارد.

في سطور

أكاديمية بريطانية الجنسية من أصل أيرلندي، متخصصة في علم الدين المقارن، ولدت في 14 نوفمبر 1944، وفي أواخر مرحلة المراهقة، أصبحت راهبة في مجتمع الطفل المقدس، وتقدمت بطلب للتعليم فيما بين 19691962، ودخلت سلك الرهبنة، ثم أُرسلت إلى كليّة سان آن، بأكسفورد، لدراسة اللغة الإنجليزية. درست في كلية القديسة آني، في أكسفورد. وبعد أن أنهت دراستها الجامعة، قدمت أطروحة دكتوراه في الفلسفة عن الشاعر تينيسن لكنها فشلت في الامتحان.

في عام 1976، أصبحت أستاذة اللغة الانجليزية لكنها سرعان ما غادرت هذه المهنة في عام 1982. أرسلتها القناة الانجليزية الرابعة إلى إسرائيل لانجاز فيلم وثائقي ديني. وهناك تولدت لديها فكرة دراسة الأديان المقارنة. كرّمها مركز نيويورك المفتوح في عام 2004 ل(فهمها العميق للتقاليد الدينية وعلاقتها بالمقدس). كما كرّمها أيضاً معهد روزفلت بجائزته (حرية العبادة). حصلت جائزة (كومون غراوند) للرحمة والتعاطف عام 2009وجوائز أخرى.

إضاءة

زارت كارين أرمسترونغ الإمارات مؤخراً حيث ألقت محاضرات، وحظيت باهتمام وتقدير من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. «البيان» التقت بها في الشارقة، وسألتها عن سبب زيارتها للإمارات، فأجابت: «أعتقد أن الإمارات تختلف عن بقية بلدان الشرق الأوسط، وخاصة دبي التي لا تقتصر على الاقتصاد كما عُرفت به، بل هي كوكب يشع على الشرق الأوسط بمعماره وثقافته وعالميته وبكل معاني الثقافة والتحضر وعراقة التقاليد».

قالوا عنها

أرمسترونغ تملك موهبة مذهلة، تستطيع أن تعالج موضوعاً معقداً ومركباً وأن تقف على أصول وقواعد الأمور بدقة عالية. صحيفة الصاندي تايمز

إنه كتاب من أهم الكتب الحديثة، كتاب لم يكتب مثله في عصره، إنه كتاب (محمد «صلى الله عليه وسلم» أي نبي لعصرنا) للمستشرقة كارين أرمسترونغ، لقد نجح الكتاب في إحداث صدى إيجابي واسع بين مثقفي الغرب عامة، لتكتمل الرؤية، حول مكانتها، وعملها.عبد الرحمن أبو المجد

كارن آرمسترونغ: أي نبي لعصرنا، كتاب يخاطب النزاع المركزي في عصرنا مباشرة، «يرى بعض المفكرين المسلمين أن الجهاد ضد كفار مكة كان أهم أعمال سيدنا محمد (ص) وينسى ملاحظة أنه شجب الحرب في النهاية، وتبنى السياسة السلمية. » يستمر النقاد الغربيون أيضا في رؤية نبي الإسلام كرجل حرب، ويخفقون في رؤية أنه عارض التكبر والغرور الجاهلي، وهذا لا يثير عدوان عصره فقط، بل كثير من الأدلة تؤكد أن بعض الزعماء الغربيين والمسلمين اليوم متشابهون. كارين تخرج عن طريقتها لتقديمه بتوازن من منظور عادل في حياة محمد (ص)، بإسناد سيرته على ما فعله ضد الجاهلية، توضح أنه يرفض كل هذه الميزات الجاهلية.سيسيليا كورديرو إنغيلز

من آرائها

الغرب مسؤول عن المعاناة التي تحدث لشعوب الأرض بمن فيهم الفلسطينيون الذين يدفعون ثمن وعد بلفور، ويدفعون الآن ثمن الدعم الأميركي لإسرائيل.

شاكر نوري