«في غياب الماء والكهرباء كنا نشعر بحلاوة الصوم وبقوة الإيمان، وقبل أن تأتينا التقنيات المتطورة ووسائل الاتصال الحديثة، كانت صلة الرحم قوية ومتماسكة، ومع التغيرات التي نشهدها اليوم، أصبح شهر الصوم حدثاً عادياً عند كثير من الناس»، هذا ما قاله الشيخ حسين محمد حسين، أثناء حوارنا معه عن ذكرياته في رمضان، وكيف صام أول مرة، وما هي الأحداث التي مر فيها عندما كان طفلاً صغيراً.

المرحلة التي نبدأ منها الذكريات، أمر نتركه لفضيلة الشيخ يحدثنا عنه حيث قال: أولاً نهنئ كافة المسلمين في كل أصقاع العالم، بحلول هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، وندعوهم بالإكثار من الدعاء، وأن يصوموا بصدق وإخلاص، فالدعاء وقراءة القرآن الكريم والصلاة في المساجد، عناوين المسلم الصالح، فالأمة لو صامت هذا الشهر بصدق وإخلاص، لتغير حالها وتبدلت أوضاعها الراهنة، فالتقرب من الله وخاصة في مثل هذه الأيام، خلاص من الواقع المأزوم الذي تعيشه الأمة المسلمة.

دراسة القرآن

أما عن ذكرياتي وطفولتي وكيف استقبلت هذا الشهر، فاني ما زلت أتذكر تلك الأيام الخوالي، عندما كنت ومعي بعض الأطفال في منطقة حتا، ندرس القرآن الكريم على يد الشيخ محمد المهدي، فهو الرجل الذي غرس فينا حب القراءة، وكيف نؤدي واجباتنا الدينية، كنا ونحن صغاراً نحفظ القرآن.

وهذا ما ساعدنا على صوم رمضان ونحن أطفال صغار، لقد صمت وعمري ثماني سنوات، تذوقت حلاوة الصوم في هذه السن، وكنت أشعر بأنني ألقى كل يوم ثواباً على صيامي، هذا الشعور كان يخلقه الآباء والأمهات لفلذات أكبادهن، وكانوا يدفعون بأبنائهم إلى الصيام، لذلك أعتاد أبناء منطقة حتا الصيام وهم في سن صغيرة، على الرغم من ان درجة الحرارة تصل في بعض الأحيان، إلى أكثر من 50 درجة، وكانت المعيشة آنذاك بسيطة وقليلة.

ولم نعرف بعد الكهرباء والماء، أو وسائل الاتصال الحديثة، كنا نصوم في أجواء تختلف كثيراً عن أجواء اليوم، بل ما زلت أتذكر كيف كنا صغاراً، نذهب إلى المزارع ونسبح في بركها، لكي نبرد أجسامنا من شدة الحر ومن العطش، وذلك لكي نحافظ على صيامنا، ومن الذكريات أيضاً، أتذكر كيف كان أبي يأخذني وأخواني إلى دبي، وذلك لكي يخيط لنا ملابس العيد (الكنادر) كان ذلك يستغرق وقتاً طويلاً، حيث وسائل النقل كانت بالجمال.

محطات للذكريات

ويواصل الشيخ حسين سرد ذكرياته قائلاً: أذكر وأنا طفل صغير، كيف كنا نقضي أوقاتنا بعد الإفطار وصلاة المغرب، كانت الألعاب الشعبية مثل لعبة (الكرابي) التي يلعبها مجموعة من الأطفال، يشكلون فريقين كل فريق له خط مستقيم، يقف أعضاء الفريق عليه ومواز للخط الآخر، وتبدأ اللعبة بأن يقفز طفل من أحد الفريقين على رجل واحدة ويثني الأخرى للخلف، ويمسكها بيده محاولاً الوصول إلى الخط الثاني.

وتحدث محاولات من الفريق الآخر، لإعاقة وصوله، وأيضاً لعبة (الدسيس) ويلعبها ثلاثة أطفال أو أكثر حيث يتم اختيار واحد منهم يتولى عملية البحث عن زملائه، فإذا أمسك بأحدهم يضع يده فوق رأس الطفل الذي تم الإمساك به، ولعبة (طاق طاق طاقية) أو (الثعلب فات)، حيث يجلس مجموعة من الأطفال على الأرض بشكل دائري، ويتولى أحدهم عملية الجري حولهم، وهو يحمل قطعة قماش ويردد أهزوجة خاصة باللعبة.

هذه الألعاب وغيرها كانت وسيلتنا في قضاء الوقت، ثم بعد ذلك نذهب مع آبائنا لصلاة العشاء ثم التراويح والتي كنت تصلى في تلك الفترة 20 ركعة وكنا نحافظ عليها، لكن الشيء المهم في حياتنا نحن الصغار إننا نكثر من قراءة القرآن الكريم لكي نختم القرآن أكثر من مرة، واذكر إنني كنت أختم القرآن في شهر رمضان أكثر من عشر مرات.

وبعد ذلك يذهب الاطفال للنوم بينما الكبار يتسامرون على ضوء القمر أو على سراج (الفنار)، كما يجتمعون في وقت الفطور عند أحد المساجد، حيث كل شخص يأخذ معه من الفطور ما هو متوفر في بيته، المهم ان الكل يجتمع في المسجد، وهذه عادة قديمة متمسكين بها ابنا المنطقة.

صلة القربى

ويقول الشيخ حسين عن الحياة الاجتماعية التي عاشها في صغره: كانت الحياة بسيطة، ولكنها في نظرنا نحن الأطفال جميلة وحلوة، صحيح كنا نعيش من دون كهرباء، ولكن كنا نشعر بحلاوة الصوم وبقوة الإيمان، وكانت صلة الرحم وزيارة الأقارب من العادات والتقاليد الأصيلة، والجميع متمسك بها، لكن في ظل التقنيات المتطورة ووسائل الاتصال الحديثة.

أصبحت الزيارات بين الأقارب والأرحام قليلة، واستعان البعض بالوسائل الحديثة للاتصال بأهله وأقاربه للسؤال عن صحتهم، بل حتى في الأعياد، أصبح كثير من الناس يفضل تقديم التهاني والتبريكات، من خلال الرسائل النصية أو ما شابهها، ومع التغيرات التي نشهدها اليوم، أصبح شهر الصوم حدثاً عادياً عند كثير من الناس، أذكر في طفولتنا ان الأهل كانوا في تواصل مستمر فيما بينهم.

وإذا مرض أحد حتى لو كان من أبناء المنطقة، تجمعوا حوله، كنت أشاهد كيف كانت القلوب كلها مع بعضها، هذا يؤازر جاره وآخر يواصل أخاه، هذه المشاهد وغيرها من الأحداث، ما زالت أمام ناظري، حتى بعد هذا العمر، لقد أيقظت في نفسي ذاكرة الماضي، وجعلتني أعود إلى طفولتي من جديد.

زيارات

يتذكر الشيخ حسين محمد حسين في طفولته أشياء كثيرة، أهمها تلك الزيارة التي كان يقوم بها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، في شهر رمضان ولقائه بأهل المنطقة، حيث كان يسأل عن أحوالهم وقضاياهم، وكيف كان يقيم موائد الإفطار الجماعية لأبناء المنطقة، كنا نحن الصغار نفرح بحضوره خاصه وانه كان يعطف علينا.

ويقدم المساعدة لمن هو محتاج وغير محتاج، مثل هذه الصورة ظلت عالقة في ذهني، فهي من الأشياء التي لا تنسى، فهذه الزيارة وغيرها كانت تعبيراً لعلاقة القائد بأبنائه، وتجسيداً لمدى الروابط التي تجمع بين الحاكم والأمة، ونراها اليوم تتواصل مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله، الذي زار المنطقة والتقى بأهلها وتفقد أحوالها.

دبي - جميل محسن