لا يزال اسم «آنلونغ فينغ»،المنطقة المنعزلة ذات المنازل الخشبية والمحاصيل الموسمية يحمل المزيج نفسه من طقوس العبادة والخوف. فأما هذا الاحساس الثاني، فهو ما تحاول الحكومة الكمبودية كبح جماحه، أملا في إقناع الزوار بالقدوم من جميع أنحاء البلاد.

ويسعى المسؤولون الكمبوديون لإضافة عناصر جديدة إلى قائمة الزيارات لهذه المنطقة، منها الذهاب إلى معقل الخمير الحمر الأخير هناك. وتقول مجلة «تايم» البريطانية، في تقرير لها، إن أكثر من مليون سائح أجنبي يزورون معابد «أنغور وات» سنويا.

ولكن بينما تبعد منطقة «أنلونغ فينغ» نحو ساعة ونصف الساعة فقط عن تلك المعابد، إلا أنها لا تحظى إلا بالقدر اليسير من السائحين، مقارنة مع العدد الأكبر الذي يزور مواقع العمليات العسكرية للخمير الحمر القريبة من «فينوم بنه».

وتهدف خطط المسؤولين الكمبوديين في قطاع السياحة، والتي تعود إلى العام 2000، إلى تحويل «آنلونغ فينغ» إلى معرض لأطلال الأيام الأخيرة في حياة الخمير الحمر ومضاعفة عدد السياح الذين يزورون المنطقة. وفي مارس الماضي، أقرّت الحكومة خطة لإضفاء طابع رسمي على أعمال التطوير بالمنطقة، من أجل السماح بالزيارة من قبل الوفود المحلية والخارجية، وفهم العقلية القيادية المسؤولة عن الإبادة الجماعية التي اقترفها الخمير الحمر.

إلا أنه لم يتم البدء في أعمال الإنشاءات حتى الآن. و معظم سكان «آنلونغ فينغ» من الكوادر السابقة للخمير الحمر وأتباعهم. ففي عقد الثمانينيات، فرّ من هناك الباقون من قادة الخمير الحمر والميليشا وبعض المؤيدين، وذلك بعد تمكن فيتنام من الإطاحة بنظامهم وتشكيل حكومة جديدة. وعندما سقط نظام الخمير الحمر تماما في عام 1998، كانت «آنلونغ فينغ» آخر معاقلهم. واليوم، لم تُخلّف معظم الأربعة عشر موقعا،التي اختارتها وزارة السياحة الكمبودية في المنطقة سوى انطباعا باهتا.

مخبأ

أما بالنسبة لأهم أثر موجود حتى الآن، فهو مخبأ لزعيم الخمير الحمر المدعو «تا موك»، وهو عبارة عن ثلاثة مبان هزيلة وسيارة بث لاسلكي صينية الصنع، كانت تستخدم للدعاية. وتقول «بريك لين» (55 عاما) ابنة «تا موك» إن البيت الذي خلفه والدها وزيارة جزء من جولة السياح ينعش ذاكرة العائلة بأيام الماضي.

يذكر أن «تا موك» مات في عام 2006، قبل أن يخضع للمحاكمة من قبل محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة. وتضيف ابنة تا موك: «الكثيرون حضروا جنازة والدي لتأبينه. وعندما يفتتحون مشروع التطوير السياحي بالمنطقة،سوف يشعر القرويون بالسعادة، لأن دخولهم ستزيد. ولكنني لن أكون سعيدة، لأنني سوف أشعر أكثر بافتقاد والدي».

رحيل

وسواء شعر أهالي «آنلونغ فينغ» بالأسى على رحيل القاتل «تا موك» أم لا، فإن الكثيرين منهم يعانون الفقر المدقع الذي يئن منه معظم الكمبوديين، وتغمرهم الفرحة إزاء ما يحمله المستقبل لهم من زيارات ثابتة من السياح لمتاجرهم ومطاعمهم ومنازل الضيافة في المنطقة. وفي الوقت الحالي، لا يتعدى عدد زوار المواقع الرئيسية بالمنطقة أصابع اليد الواحدة يوميا.

ولا يبدو أن أحدا يحمل طموحات للمكان سوى المصور الفوتوغرافي «نيهم إن»، والذي سعى لاستغلال علاقاته الوطيدة القديمة مع عناصر الخمير الحمر. وهو بصدد عرض متحف فني خاص به للصور للبيع، يبعد نصف ساعة فقط من «آنلونغ فينغ»، حيث يقول إنه يريد إبراز تاريخ الخمير الحمر للأجانب وشباب الكمبوديين.

هشام فتحي