هل يمكن لكل النوايا البيئية الحسنة أن تخبو وتتراجع إلى مرتبة دنيا في خضم موجة حر؟ في ظل درجات الحرارة القياسية التي تشهدها قطاعات كبيرة من من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، قد لا يجد الإنسان بديلاً عن تشغيل المكيفات الهوائية لأجل جعل الجو في البيوت والمكاتب أكثر انسجاماً مع طاقات التحمل البشري.

لكن هذا بحد ذاته ربما يحمل أنباء سيئة لكوكبنا، لأن المكيفات تلعب دوراً كبيراً في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تنتجها المجمعات السكنية والتجارية والتي تعادل نحو 10 بالمئة من إجمالي الانبعاثات الكربونية في العالم، بحسب الباحث غرايم ميدمنت من جامعة لندن ساوث بانك الإنجليزية، والذي يقول إن ظاهرة التسخين الأرضي ستتفاقم أكثر مع اتجاه الناس إلى استخدام المكيفات الهوائية بمعدلات أكبر.

ويرأس ميدمنت مشروع أبحاث، بتمويل من مجلس أبحاث العلوم الفيزيائية والهندسية البريطاني، للتحري عن أنظمة تكييف وتبريد أكثر رفقاً بالبيئة. والمفارقة أن أحد الخيارات المطروحة على الطاولة يتمثل في استخدام ثاني أكسيد الكربون كبديل لمبردات «إتش اف سي» الاصطناعية المستخدمة في مثل أنظمة التبريد، إذ يمكن أن يصل تأثير مثل تلك الغازات المبردة في زيادة التسخن الأرضي إلى ألفي ضعف تأثير ثاني أكسيد الكربون، علماً بأن 2 بالمئة من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في بريطانيا مثلاُ تعزى لتلك الغازات، كما يقول ميدمنت.

وفي أنظمة ضغط البخار التقليدية المستخدمة في وحدات التكييف، يتم ضغط الغاز المبرّد وتكثيفه، ومن ثم تمديده وتبخيره لكي يبرد الغرفة. ويتم عادة تصريف الحرارة الناتجة عن عملية الضغط هذه إلى الهواء الخارجي.

وتنتج عملية ضغط ثاني أكسيد الكربون درجات حرارة أعلى بكثير مما تنتجه غازات «إتش اف سي» ؟ وتصل إلى حدود 150 درجة مئوية بالمقارنة مع 60 درجة فقط. ولذلك بدأ ميدمنت وزملاؤه يبحثون في فكرة استخدام الحرارة التي تولدها أنظمة التكييف والثلاجات التي تستخدم ثاني أكسيد الكربون في محلات السوبرماركت مثلاً، لتوفير المياه الساخنة للمنازل المجاورة.

في هذه الأثناء، يعمل مات بويس وزملاؤه في جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية على تطوير نظام تكييف خال تماماً من غازات «إتش إف سي» تعتمد على الصوت.

ويستخدم الفريق محركا طوليا لتحريك لوحة شبيهة بمكبرات الصوت إلى الأمام وإلى الخلف، مولداً بذلك موجة صوتية في غاز الهليوم، وهي عملية لا تسهم في التسخن الأرضي. وتحدث الأمواج الصوتية مناطق انضغاط وتمدد داخل الغاز، متسببة بتسخينه وتبريده بشكل متعاقب. ويقول بويس «إنه أشبه بإسفنجة، حيث يقوم الغاز بامتصاص الحرارة من موقع معين، ليتم نقله عن طريق الموجة الصوتية إلى موقع آخر، حيث يتم هناك استعصار الحرارة ثانية من الغاز».

ولقد قام الفريق نفسه في السابق ببناء ثلاجة خاصة لشركة متخصصة في صناعة مثلجات «الآيس كريم»، تعتمد في طريقة عملها على ما يعرف بالتكنولوجيا الحرارية الصوتية.

ويقول هؤلاء الباحثون إن بإمكانهم تطبيق التقنية نفسها على نطاق أكبر لاستخدامها في وحدات تكييف هوائي ضخمة، وبناء أجهزة بقوة 5,3 كيلوواط، أي ما يعادل قوة النموذج المنزلي الاعتيادي ؟

ونشرها حول المباني. ويقول بويس ان استخدام هذه الوحدات يمكن أن يقلص حجم الطاقة التي تستهلكها أنظمة التكييف الهوائي بشكل كبير عن طريق تبريد فقط الغرف التي يتم استخدامها دون غيرها.

والآن تمكن جاريميلا من تطوير مبادلات حرارية مصغرة، يتدفق فيها المحلول عبر أقنية لا يتجاوز قطرها نصف ميليمتر، لتستفيد بذلك من كفاءة النقل الحراري العالية على هذه المستوى.

ولقد طور فريقه حتى الآن نموذجا أوليا بحجم الكتاب يولد برودة تعادة نظام تبريد بقوة 300 واط، ويخطط لزيادة قوة تبريد هذا الجهاز أكثر بتمويل من الوكالة الأميركية لمشاريع الأبحاث المتقدمة، شعبة الطاقة.

وبما أن العملية تعمل على الحرارة لا الكهرباء، فإن من شأنها خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حتى أكثر عن طريق استخدام مصادر حرارة عالية الكفاءة في استهلاك الطاقة. ويمكن أيضاً الجمع بين التكييف الهوائي والطاقة الشمسية، هو نهج له ميزة واضحة جداً، كما يقول ميدمنت لأنه «عندما تشرق الشمس، نحتاج إلى تكييف».

إعداد: علي محمد