يحرص الفنانان المغربيان، الزوجان محمد افيلال وعائشة السكوري، على صنع منحوتاتهما الفنية من قطع الحديد المستعملة، حيث يحولانها إلى أشكال فنية غنية معبرة في مضمونها وملامح جمالياتها.
وتتحدث الأشكال والمنحوتات التي أبدعها الفنانان بلغة ثانية، هي بكل تأكيد ليست لغة الحديد، كونها تنهل من مفردات الحياة اليومية بطريقة جمالية، سواء عبر أشكالهما الخيالية أو الواقعية. وهما يتمسكان في هذا السياق برؤى خيارهم ومذهبهم الفني، معتنين بمتابعة إضفاء لمسات تحديث وتطوير نوعيين عليه.
وتكلل إصرارهم في هذا التوجه الإبداعي،بالنجاح في إثبات تميز منتجهم، الأمر الذي دفع العديد من الجهات في المغرب، إلى الاهتمام بأعمالهما والمبادرة إلى إقامة معارض لها والاحتفاء بها، وفي مقدمها رواق دار الثقافة في مدينة المضيق المطلة على الأطلسي.
عند دخول الزائر إلى هذا الرواق الكائن على الشارع العام في مدينة المضيق بالمغرب، يفاجأ أنه أمام منحوتات تشبه إلى حد ما، أعمال النحات السويسري البرتو جياكوميتي: أشكال طويلة ومستدقة وملتوية. ولكن يبقى الفرق هنا أن منحوتة واحدة لجياكوميتي وهي (الرجل السائر)، بلغ سعرها أكثر من70 مليون يورو، بينما لا يلتفت أحد من سكان أو زوار المدينة إلى هذه المنحوتات.
كم يبلغ سعر منحوتاتكم؟
يجيب الفنان محمد افيلال: أقصى ثمن لمنحوتاتنا هو ثلاثون ألف درهم مغربي، أي ثلاثة آلاف يورو، ولكن لا يوجد أحد في هذه المدينة الصغيرة يقدم على شرائها.
تعلق رغم المعوقات
لماذا تعرضون إذاً؟
نحن فنانون قبل كل شيء، وفن النحت يسري في دمائنا. تخرجت من المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، في تطوان، وحصلت على جوائز عديدة، وأقمت عدداً من المعارض الفردية والجماعية، ولا بد من الاستمرارية.
ولكن ماذا عنك أنت الفنانة عائشة السسكوري (زوجة الفنان محمد افيلال). هل درست الفن مع زوجك؟
نعم أنا مثل زوجي خريجة المدرسة الوطنية للفنون الجميلة في تطوان أيضاً، وحاصلة على دبلوم في مادة الديكور بأسبانيا، وأقمت العديد من المعارض.
هل يمكن العيش من واردات الفن في المغرب؟
يجيب محمد افيلال: بطبيعة الحال، لا يمكن أن يعيش الفنان من بيع لوحاته، كما هو الحال في غالبية البلدان العربية، باستثناء عدد قليل من الفنانين العرب الذين يقدرون على بيع لوحاتهم.
وكيف ترين أنت عائشة، إمكانية أن تستمر حياة الفنان في ظل هذه الأوضاع؟
كما قال زوجي، إن لدينا أعمالاً أخرى في التدريس أو في مجالات وظيفية أخرى تضمن لنا المعيشة، المهم نحن نواصل الإبداع، ولا يمكن أن نتخلى عنه بأي شكل من الأشكال.
فارق
من هذه القطع الحديدية المستعملة والمهملة، تمكن الفنانان المغربيان أن يصدما الرؤية البصرية للزائرين، عبر خلق أشكال ومنحوتات تحلق في فضاء هذه المدينة الصغيرة، تكسر إيقاعها الرتيب.
هل سمعتما بالنحات السويسري البرتو جياكوميتي؟
يجيب محمد:بالتأكيد، إنه فنان سويسري بارع وكذلك عائشة، تقول :من لا يعرف فناناً بحجم جياكوميتي؟
وهل اتهمكما أحد بتقليد أعماله وأشكاله؟
يرد محمد: أبداً، إنها أشكالنا، فقد تجد شكل رجل وامراة، وطيور واسماك وأشجار، كلها مستوحاة من الواقع المغربي إلا أن الأشكال المستدقة والرقيقة لا يمكن استبعادها من إيحاءات الفنان العالمي جياكوميتي.
والفرق بين أعمالنا وأعماله، أن جياكوميتي يقوم بصب البرونز بينما نقوم نحن بجمع قطع الحديد المستعملة، وبدلاً من صياغتها واستخدامها لأعمال البناء، نقوم بإعادة صياغتها فنياً وجمالياً، ونزيل عنها القبح. وهذه هي مهمة الفن في نظري، أن نحيل كل ما هو قبيح إلى جميل، أليس كذلك؟
صدمة الفن
يعترف الفنانان بصعوبة شق طريق ممهد ومريح لفن النحت في المغرب، لكنهما يراهنان على تحدي هذا الواقع، وفي هذا الخصوص، تقول الفنانة عائشة: الفن في كل بداية له، يشكل صدمة، وكما ذكرت قبل قليل، حتى أشكال جياكوميتي كانت صدمة للأوروبيين والغربيين، ولم يتم الاعتراف بهذا الفنان إلا مؤخراً.
وكذلك الأمر بالنسبة للفنان الكولومبي بوتيرو، الذي تميز بأشكاله الضخمة والبدينة. بعض السياح الأسبان والأوروبيين يزورون رواقنا، ويقدرون ما نقوم به، وهناك صحف إسبانية وفرنسية كتبت عنا، وحتى المغربية، والمهم في كل ذلك، أن الفنانين المغاربة يعترفون بعملنا النحتي، ويعتبرونه خطوة على الطريق في تطوير النحت المغربي.
دبي- شاكر نوري
