نظمت إدارة الشؤون الثقافية في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، مساء أول من أمس في سوق العرصة بالشارقة القديمة، أمسية شعرية أحياها الشاعران سعيد القبيسي وحسن النجار، وقدم لها محمد القصير، وذلك ضمن إطار البرنامج الثقافي للدائرة خلال شهر رمضان المبارك.

مفردات المكان أضفت نكهة خاصة على الأمسية التي ألقت الضوء على جانب من نتاج تجربتين شعريتين تنتميان إلى جيل الشعراء الشباب، وشكلت مصدرا لمزيد من الإيحاء الذي وفر لما قرأه الشاعران من قصائد البيئة المناسبة، إن لم نقل المثالية للتحليق مع كل مفردة ومعنى في مشهد تزاوجت فيه الكلمة مع حجارة السوق العتيقة التي غطت ممراته وأزقته واعتلت جدرانه، بينما غطى خشب بني معتق واجهات سوق التحف والسجاد وبواباته وأسقفه.

بوح ومناجاة

تناوب النجار والقبيسي على إلقاء قصائدهما، التي تأرجحت بين شعر التفعيلة والشعر العمودي، وتقاطعت من خلال العديد من مضامينها ومراميها، فراحت تخاطب العقل حينا والقلب أحيانا، بينما كان للوطن حضوره أيضا وكذلك الغربة والشوق والحنين وحتى الألم، كما تشابكت تجربة الشاعرين في سر ذلك التوق الغامض إلى البوح ومناجاة الذات قبل مخاطبة الآخرين.

( تحية مسائية)، قصيدة قصيرة استهل بها النجار قراءاته خلال الأمسية وبدا التفاؤل فيها سيد الموقف، إذ يخاطب الشاعر فيها المساء الذي يرتقي في هذه القصيدة إلى منزلة مرسال الشوق والحب الذي يستريح بين راحتيه الأحباب ويوصل لهم مشاعر الاشتياق والحنين، بينما تطرح قصيدة أخرى، فيها حسرة أليمة على عمر مضى في شيبة الروح، أسئلة وجدانية مهمة حول مرد هذه اللغة التي يتملكها الحزن والفشل والندم، وتكاد الدمعة تنفر من بين كلمات القصيدة التي تقول في آخرها: ( أول الشعر ورد وآخره شوكة).

غزل وشوق

لكن سرعان ما ينقل الخياط مستميعه إلى أجواء أخرى مختلفة تماما عبر قصيدة (رباعيات) المفعمة بالعاطفة، والتي تتحدث عن النظرة الأولى التي تشعل الروح وتلهب الشوق إلى حبيبة يصفها الشاعر بأنها ضحكة وعذبة وأرجوحة، متغزلا بجمال روحها وبالزهرة الأولى التي يعانقها المدى، كما ألقى قصيدة مهداة للشاعر أحمد العسم من رأس الخيمة، وهي محاولة نثرية تعود إلى عام 2008، أما القصيدة الأخيرة التي ختم بها النجار فجاءت تحت عنوان(سائح في بلادي)، التي يتناول فيها الشاعر سؤال الهوية والانتماء واللغة والتعايش مع الآخرين.

نضوج وتجريد

الشاعر سعيد القبيسي استهل قراءاته بقصيدة تحت عنوان (إني أراك)، التي تنتمي إلى قصيدة التفعيلة ويمتطي فيها الشاعر حوارية يتحدث فيها عن انكسارات شامخة، وأمان زائلة وكيف تهشم الدمعة الضحكة عندما يسود الكذب والنفاق والظلام ويبتعد الصدق ويتيبس نور النهار في العروق، ثم انتقل الشاعر إلى القصيدة العمودية فألقى ( حنين التراب)، التي جاءت خلاصة تجربة قاسية تغرب خلالها عن الوطن للدراسة في كندا، ومفرداتها مفعمة بمشاعر الشوق والحنين، وفيها استدعاء للذكريات في البلاد.

( ولاء الفراغ)، ( لجة الشوق) و( عناق وافتراق)من العناوين التي أنشدها القبيسي، والتي تعكس تجربة، على الرغم من أنها لا تزال تتلمس طريق البدايات الواعدة، إلا أن فيها ملمحا، إن لم نقل ملامح، من نضوج باتجاه التجريد وسبر أعماق النفس ودروبها المتشعبة، حيث تجتمع المتناقضات وتفترق في آن فتتحد مشاعر الكره مع مشاعر الحب، ليس في الفراغ كما يوحي عنوان إحدى هذه القصائد، وإنما في فضاءات الروح وسعيا وراء طرح المزيد من الأسئلة، والتي غالبا لا تستجدي الإجابات.

الشارقة - باسل أبو حمدة