لا يزال الدكتور محمد إبراهيم المنصور، أمين عام جائزة رأس الخيمة للإبداع والتميز من منطقة الرمس، يحتفظ ببعض من رائحة الزمن وذكرياته، يقلبها بين كفيه كالأوراق كلما حان الوقت، ليعيش بينها ويتوقف عند تفاصيلها، ولا يزال يتذكر كيف كانت «المفاطر» تجمع الأهالي حولها في رمضان، وعندما كانوا أطفالا يتسابقون لقراءة القرآن الكريم في المسجد، وحتى عندما شب بقي يتذكر بعضا من اللحظات التي عاشها في مصر، وتلك التي عاشها في أميركا والتي ما زال يحن إليها حتى اللحظة.

في رمضان هذا العام نفتح معه خزانة الزمن لنقلب ما فيها من ذكريات، يقول د. محمد: «لقد عشنا في زمن مختلف تماماً عن الزمان الحالي، حينها كانت الحياة قاسية جداً، وكانت القرية هي عالمنا ومحيطنا الوحيد، في ذلك الوقت كانت البيئة الاجتماعية عائلية وكنا نحن الأطفال نتحمس للصوم ومشاركة عائلاتنا رمضان حتى ولو لم نكن شرعاً ملزمين بهذا الصوم، وبلا شك أننا كنا نخالف في بعض الأحيان .

ولكن بسرية تامة، ليعتقد الجميع بأننا صائمون ويحنون علينا، ومع التدرج العمري أصبح لدينا التزام أكبر في الصيام وطقوسه وعباداته وأصبح لدينا التزام اجتماعي تجاه التواصل مع الأهل والأقارب».

ذكريات

منذ صغره تعود د. المنصور قراءة القرآن الكريم في شهر رمضان الكريم، وحول ذلك قال: «كان هناك تشجيع كبير من المجتمع في هذا الأمر وكنا نتنافس فيما بيننا على قراءة كتاب الله ولذلك كنا نشكل في كل مسجد فرق صغيرة مكونة من أربعة إلى خمسة أطفال لنتبارى في قراءة القرآن الكريم ونبقى كذلك حتى ختمه بالكامل، وكانت القراءة دورية بحيث يقرأ كل واحد منا بعض الآيات، وكنا نتعجل الوصول إلى سورة «المسد».

ويتمنى كل واحد منا أن يفوز بقراءتها، لأنها ملزمة لقارئها بإحضار الفوالة لكل الموجودين في المسجد، وكنا نختم القرآن الكريم أكثر من مرة في رمضان، وأذكر أنه عندما ظهرت الميكروفونات أننا كنا نتسابق للقراءة عبرها لإسماع الأهالي، وكان ذلك بمثابة تدريب للنفس وعلى اللغة».

لمة

أكثر ما يحن إليه الدكتور محمد في رمضان زمان هو «لمة» الأهالي في الأماكن المفتوحة والتي كان يطلق عليها «مفاطر»، حيث تقام في إحدى الفسح التابعة «للفريج»، في رمضان زمان كان للأطفال دور في فرش الحصر وتوزيع المياه والقهوة على كبار السن وإحضار الفوالة، حينها لم يكن هناك رفض لمشاركة الصغار في جلسات الكبار عند الإفطار الذي تقام بعده صلاة المغرب التي تتبعها جلسة تكثر فيها الأحاديث والحكم التي يستمع إليها صغار السن.

ويشير: «حتى عندما أصبحنا شباب كنا نجتمع عند بيت أحد الأصدقاء ومن بعدها نتوجه إلى المسجد للصلاة وقراءة القرآن الكريم، وهو ما نمى العلاقات الاجتماعية بيننا وزاد من حرصنا على زيارة الأهل والأقارب».

في سنوات الستينات لم يغب جهاز الراديو عن جلسات الأهالي، فقد كان وسيلة مهمة لإعلام الجميع بثبوت هلال رمضان عبر ما تبثه إذاعة الإمارات المتصالحة من الشارقة، وإلى جانبه كانت الحكومة تضرب المدافع في رأس الخيمة.

رمضان مصر وأميركا

مع مرور السنوات انتقل الدكتور محمد المنصور إلى مصر لمتابعة دراسته، وقد عاش فيها من العام 1976 إلى 1979، وحول تلك الفترة قال: «الحياة مختلفة تماما بين مصر والإمارات.

ولا يوجد مقارنة بين طقوس رمضان في مصر والإمارات، فهناك كانت الفوانيس تنتشر في كل مكان وتكثر العبادات وتمتد حتى طلوع الفجر، ولكن برغم ذلك كان الحنين إلى الأكل الإماراتي والأجواء الإماراتية موجوداً طيلة الوقت، وأكثر ما أحن إليه في رمضان مصر هو زيارات الحسين في القاهرة الذي يعتبر من أكثر الأماكن جذباً لما فيه من طقوس العبادة».

لحظات

ما زال الدكتور محمد يحن إلى تلك اللحظات الرمضانية التي قضاها في الولايات المتحدة الأميركية التي عاش فيها ثماني سنوات، وحول ذلك قال: «تتميز أميركا بأنها من أسهل البلدان التي يمكن للفرد أن يندمج فيها بالمجتمع، وفي أي مكان يدرس فيه العربي يجد له زملاء، وهو ما أعطانا الفرصة لأن نتعرف ونتقرب من بعضنا البعض خاصة وأن هم الغربة كان القاسم المشترك بيننا ما جعل هناك التزام تجاه بعضنا البعض».

وأضاف: «رمضان من أحب الأيام التي عشتها في أميركا، فقد كان فرصة لنا للاجتماع بشكل يومي في المسجد للإفطار وتداول الأحاديث، وإذا لم يكن الإفطار متوفراً في المسجد يكون بالتناوب في داخل بيوتنا، والأمر ذاته كان ينسحب على السحور الذي كنا نقيمه هو الآخر في المسجد».

وأضاف: «في كل رمضان كان الأزهر الشريف يرسل لنا عدداً من العلماء الذين يقومون بتوجيهنا والصلاة فينا، ولمشاركتنا الإفطار والسحور، وإلى جانب هؤلاء العلماء كان بيننا عدداً من الشباب المقرئين، وكان يجمعنا الصدق والنوايا الصافية وكان همنا هو تأدية الصيام والإفطار بكل المحبة وصفاء».

وتابع: «حتى في مجال التعليم كنا نحرص على تأدية الامتحانات الصعبة في رمضان، ولم نكن نفكر بأنها عبء على الشخص أو إنه ثقيل، وكنا نحرص على أخذ موادنا العلمية في الصباح الباكر، وهو ما يشعرنا بأن شهر رمضان كان بمثابة المنظم لحياتنا».

غسان خروب