على بحر خورفكان الممتد؛ تتزاحم ملامح رمضانية كثيرة لتضفي على أيام الشهر الفضيل هناك ألقاً لا يفتأ مواطنو تلك المناطق يذكرونه فخراً وإعجاباً، كيف لا وتلك الملامح تصنع من عشرات بل مئات المنازل بيتاً موحداً، وتجمع آلاف السكان على هيئة رجل واحد لا تخلو من وجهه ملامح الخير والعطاء والمبادرة وما أبعد من ذلك إيجابية.
اجتماع يومي أبطاله الشواب والشباب على حد سواء، وجلسات تقليدية على ضفاف البحر أو في المقاهي الشعبية، تستعيد بثقة أناسها أمجاد رمضانية لا يزال بعضها يأسر الكبار والصغار.. هناك وكما يروي أبناء خورفكان وما جاورها، تتشارك العائلات بسلاسة بديهية إفطارات رمضانية تتنقل بين البيوت، الأهل والأقارب والجيران يجتمعون على مائدة رمضانية وحيدة وقد أحاطوها بمأكولات تقليدية متنوعة تأتي من مختلف البيوت.. أما السمك ومشتقاته فيظل على حد تعبير البعض «رئيس مجلس إدارة المائدة» هناك بحكم علاقة السكان المتجذرة مع البحر، وإلى جانبه يأتي الثريد الذي لا تتجاهله أي من الموائد الرمضانية المقامة في مدينة خورفكان الساحلية التابعة لإمارة الشارقة ومنطقة الزبارة القريبة منها والعديد من المناطق الأخرى التي تشترك بذات الملامح الرمضانية.
موائد عائلية
محمد سالم خميس النقبي، عضو مجلس بلدي في مدينة خورفكان يؤكد أن ما يميز أيام الشهر الفضيل بشكل عام، زيادة ملامح التواصل الاجتماعي بين سكان مختلف المناطق القريبة، والتي تتشارك في ملامح رمضانية واحدة هناك، فعلى مستوى الأسر تجد أن رب العائلة يصر على توفير إفطارات عائلية متواصلة يجمع الأب والأم والجد والجدة والأبناء والبنات المتزوجين الذين يقطنون في مناطق متفرقة.
وذلك تقليد لا يزال متبعاً في جميع البيوت الإماراتية القابعة على مقربة من الساحل الشرقي.وفي العلاقة الرمضانية التي يرتبط بها الجيران في تلك المناطق.
يضيف النقبي أن الأحياء المختلفة هناك وبحسب تواجد كبار السن فيها، تتزين كل ليلة بإفطارات ولقاءات لا تمل؛ أبطالها الشواب وروادها الأطفال والشباب، حيث تجد أن مجموعات من كبار السن والموظفين المتقاعدين على وجه التحديد يهتمون في الإبقاء على تواصل إيجابي فيما بينهم، يفطرون سوياً في الساحات أو في أحد البيوت، ويتنقلون بين بيوتهم تاركين في كل ركن أصداءً مثيرة وجميلة، وهم الذين يجدون في أيام الشهر الفضيل الفرصة المثلى للبقاء معاً إلى أطول وقت ممكن، وذلك تقليد لا يزال راسخاً في مختلف أحياء خورفكان والمناطق المجاورة.
إفطار شبابي
أما الشباب فيتفقون من جانبهم على أيام محددة من شهر رمضان يلتقون فيها على موائد مشتركة، وغالباً ما يكون ذلك أيام نهاية الأسبوع والإجازات، وإلى جانب ذلك تجد أن الجميع في تلك المناطق يحرصون على المشاركة في مجالس ولقاءات تنسجم فيها مختلف الأعمار في أماكن متفرقة أو في المقاهي الشعبية التقليدية، وهناك برامج إفطار جماعية متواصلة بين مختلف الأجيال التي تمهد للاستمتاع بسهرة رمضانية تبدأ بعد صلاتي العشاء والتراويح ولا تخلو إطلاقاً من أجواء اجتماعية ترقى للقمة في قلوب الصغار والكبار على حد سواء.
أما القرية التراثية في خورفكان، فهي كما يوضح محمد النقبي تنفرد بكونها تجمع في الغالب الشباب من أعمار متقاربة وتبقيهم في حالة انسجام متواصلة عبر السوالف التي من الممكن أن تطول لوقت السحور.
وأهم من ذلك تنسجم شواطئ الساحل الشرقي عامة بإيجاد مجالس رمضانية خاصة تقام على الكورنيش والتي تسمى «منامة» وهي مكان مرتفع «تلة رملية» على البحر، والمنامة تقليد رمضاني متبع منذ عدة سنوات، حيث يفرش المكان بالسجاد وينار بأضواء تقليدية ومن ثم يأتي الجميع إليه جالبين معهم مأكولات شعبية متنوعة تسمى باللهجة المحلية «خفايف».
خيم ومشاركة
وفي مناطق خورفكان وما جاورها لا تزال العادات والتقاليد الرمضانية راسخة في نفوس أبنائها إلى أبعد حد، وإلى اليوم يحرص بعض الجيران على إقامة خيمة إفطار على مستوى الحي الذي يقطنونه، والجميع يشارك في جلب ما لديه من مأكولات إلى تلك الخيمة التي غالباً ما تكون قريبة من الشارع العام بحيث تجمع السكان إلى جانب المقيمين والعمال والمارة أيضاً، ومثل تلك الخيم المتواجدة بكثرة في تلك المناطق تبدأ بعشرة أشخاص وقبيل انقضاء الشهر الفضيل ربما يتضاعف عدد زوارها إلى أكثر من عشرة أضعاف، كما يؤكد النقبي.
أما عبدالله سالم خميس النقبي، وهو موظف حكومي ويقطن منطقة الزبارة القريبة من مدينة خورفكان، والتي يصل عدد سكانها إلى نحو ألفي شخص، فيضيف أن شهر رمضان يبقى عنواناً للتواصل بين العائلات والجيران، وخلاله أيامه المباركة تجتمع أسر كثيرة على مائدة رمضانية واحدة، في حين أن العائلات الكبيرة تحرص على الإبقاء على ملامح الإفطار الجماعي فيما بينها بشكل يومي، حيث يتواجد الجد والجدة والزوج والزوجة والأبناء والبنات على مائدة رمضانية جامعة.
علاقة البحر
وبحكم أن مناطق الساحل الشرقي قريبة من البحر، فأهلها كما يقول النقبي يمتازون بعلاقة وطيدة مع أمواج البحر وقواربه، فبعد انتهاء دوام معظم موظفي المنطقة، تجدهم يزجون بأنفسهم في البحر من أجل الصيد أو الترفيه، ومهنة صيد السمك لا تزال ضاربة في جذورها هناك مثلما أن غالبية السكان يملكون قوارب صيد، ولذلك يبقى السمك طبقاً رئيسياً على المائدة الرمضانية، وخلال الأسبوع الواحد تهتم العائلات بطبخ السمك ثلاثة أو أربعة أيام.
إلى جانب السمك، هناك وجبات تقليدية رئيسية أخرى لا تكتمل فرحة رمضان من دونها وهي الثريد والهريس واللقيمات، كما يوضح عبدالله النقبي، الذي يضيف أن ليل رمضان لا يزال شاهداً على سلوكيات تقليدية لا يفتأ السكان يتمسكون بها عن حب واستمتاع وقناعة، فكبار السن مثلما الشباب هناك يحرصون في كل ليلة على التجمع في مناطق محددة إما في المقاهي الشعبية التقليدية أو على ضفاف البحر.
وما يميز مثل تلك الجمعات هو حجم المشاركة بين السكان، الذين يأتون بمختلف الأصناف من المأكولات التقليدية والحلويات والفواكه وما إلى ذلك، وكل تلك الأمور تضفي على الجلسات الرمضانية الدائمة أجواء بهيجة لا تنسى.
يوم العيد
ويختتم عبدالله النقبي أن تلك الأجواء الرمضانية المعبرة لا تختفي إلا باحتفال ديني واجتماعي ينسج من المتعة ألواناً كثيرة، ففي صباح يوم عيد الفطر المبارك يستعد الجميع كباراً وصغاراً لأداء صلاة العيد، ومن ثم يقف الجميع عن طيب نفس لإتمام السلام على الكبار والحاضرين لتهنئتهم بحلول عيد الفطر، قبل أن تبدأ مراسم «قهوة العيد» التي تتضمن القهوة والإفطار والحلويات والفواكه.
حيث درجت العادة أن يقوم عدداً من الأشخاص بإخبار الجيران وأهل الحي عن توفير «قهوة عيد» في بيوتهم، وتحت هذا الظرف فإن الجميع يحرصون على تلبية الدعوة، ثم يتوجه السكان لمباركة العيد في بيوت العائلات القريبة والجيران وصولاً إلى أبعد البيوت، قبل أن يتوجه كل واحد منهم إلى عائلته لإتمام مراسم العيد التي لا تنطفئ أبداً.
حيث يتجمع أفراد الأسرة كاملة في بيت العائلة من أجل تناول وجبتي الغداء والعشاء معاً، وبعدها يأتي دور الأبناء والزوجة والخروج في رحلة ترفيهية تضفي على نفوس الجميع أجواء أكثر إثارة ومرحاً.
يوم الجمعة.. إفطارات عائلية تزين البيوت
يمتاز رمضان خورفكان والمناطق المجاورة بملامح أسرية وعائلية واجتماعية محببة إلى النفوس، وخلال أيام الشهر الفضيل يحرص الشباب مثلما الشواب على التواجد على موائد إفطار جماعية عائلية أو تلك التي تجمع أهل الحي معاً، وحتى الأشخاص الذين يعملون في المدن البعيدة يحرصون خلال رمضان على قيادة سياراتهم مسافة تقارب 400 كيلو متر ذهاباً وإياباً من أجل الظفر بمتعة رمضانية وسط الجماعة.
وتعم أرجاء الحي الواحد ملامح اجتماعية قوية، حيث تجد السكان المواطنين منسجمين مع المقيمين والعمال في المنطقة إلى حد الأخوة، الذين يشاركونهم إفطارات رمضانية متواصلة ويتزاورن معهم على النحو الأمثل.
وفي يوم الجمعة تحرص العائلات مجتمعة على لم شمل الأسر الصغيرة من أبنائها على مائدة عائلية كبيرة تكون في بيت كبير العائلة سواء كان الأب أو الجد، أما النساء فيحرصن من جانبهن على إعداد الوجبات التقليدية المتوارثة إضافة خبز الرقاق التقليدي الذي يعد في البيوت طوال أيام رمضان وغيره من الشهور الأخرى.
عنان كتانة

