في الولايات المتحدة، زادت مبيعات الكتاب الإلكتروني عام 2009 الماضي ثلاثة أضعاف، بينما هبطت مبيعات الكتاب الورقي التقليدي.
خبر ربما لا يبدو مثيراً في ظل اتساع رقعة العالم الرقمي واعتماد الناس على الشاشات بدل الورق، لكنه بكل تأكيد خبر رائع بالنسبة للكتاب السيئين، أو بالأحرى بالنسبة للكتاب المفترض أنهم سيّئون، أولئك الذين مرروا النسخ الأصلية من مؤلفاتهم على عدة دور للنشر دون أن ينجحوا في تمريرها ودون أن يحظوا بفرصة أن ترى تلك المؤلفات النور.
لكن بينما كانت مبيعات الكتب التقليدية تهبط العام الماضي في الولايات المتحدة بمقدار 8,1% أي إلى 32 مليوناً و900 ألف دولار، كانت الكتب الإلكترونية تتضاعف ثلاث مرات. صحيح أن المسافة التي تفصل بين الطبعة الورقية ونظيرتها الإلكترونية لا تزال كبيرة حتى اللحظة، لكنها قد تتضاءل على وجه السرعة، بنهاية عام 2012 المقبل، حيث من المتوقع أن تبلغ نسبة المداخل التي تحققها مبيعات الكتب عن طريق الوسائل الإلكترونية 20.
لكن ما علاقة الكتاب المفترض أنهم سيئون بالوجهة الرقمية للكتاب؟ لا شك بأن هذه العلاقة وثيقة جداً، ذلك أن الكتاب المحكوم عليهم بالنشر الذاتي، سواء كان ذللك بسبب نوعية نصوصهم أو بسبب قصر نظر الناشرين، عثروا، خلال الأشهر، الأخيرة في الولايات المتحدة على الكثير من النفوس الرقيقة التي لا تعد ولا تحصى وعلى شركات مستعدة لأن توفر لهم مساحة للنشر الإلكتروني يستعيضون من خلالها عن ذلك الرفض القاطع الذي يجابهون به على صعيد النشر الورقي المعتاد. والمقصود هنا ليس الشركات الكبرى بالطبع.
وإنما المواقع الإلكترونية تحديداً على غرار موقع أمازون، الذي أنشأ «منصة كندل للنصوص الرقمية»، حيث بوسع الروايات أن تجد لنفسها مكاناً وتشق طريقها إلى عين القارئ، فضلاً عن إمكانية بيعها. بينما قامت شركة «أبل» بإنشاء موقعها الخاص أيضاً وأطلقت عليه اسم «بوكستور»، أي مخزن الكتب، في حين ستقلدها وتحذو حذوهما سلسلة مكتبات «بارنيس ونوبل» هذا الصيف. وهناك رجال أعمال باتوا يحلمون بإيجاد موطئ قدم لهم في هذا الفضاء الرقمي مثلما فعلت «فيس بوك» و«غوغل».
لكن لهذا التقدم ضحاياه، وأولهم، كما يتبدى من الوهلة الأولى، الناشرون التقليديون، الذين راحت تهبط أسهم سلطتهم على عملية اختيار الكتاب وإنتاجه وتوزيعه. فالغابة الرقمية، التي كان لها تأثيرات مميتة، على صناعة الموسيقى والتي وضعت الصحافة على سرير الألم، باتت تصوب سهامها الآن نحو قطاع النشر.
فكرة أن يكون للكتاب مدخل على الشبكات الاجتماعية الإلكترونية تحولنا جميعاً إلى موسيقيين وإلى صحافيين أو كتاب لا تزال تنمو وتكبر ويزيد وزنها. وبموازاة ذلك، فإن دور أولئك الذين بدوا، قبل بضع سنوات خلت، مدعوين لتقنين وسائل التسلية أو المعلوماتية أو الثقافة، لا يزال يتقلص ويتراجع بشكل ملحوظ.
لكن ربما لا يعني هذا التراجع التدريجي للمطبوعة الورقية مرادفاً لاختفائها في نهاية المطاف، لكن ربما تكون قدرة الناشرين على تحديد ورفع ذوق الناس وتحديد طبيعة مرحلة من حياتهم آخذة بالنفاد وسائرة إلى زوال.
ليس هناك أي مسوغ للوقوف في وجه أن يشبع الناس رغباتهم واحتياجاتهم الأدبية بالولوج إلى عالم النشر الرقمي والحصول على رواياتهم المفضلة، لكن ربما كان مشجعو النشر الذاتي الإلكتروني ليسوا أفضل حالاً من الناشرين الورقيين.
لأنهم موردوا حاويات قبل أن يكونوا موردي مضامين واهتمامهم يتركز على الاستفادة المثلى من حاوياتهم أكثر من نوعية وجودة المنقول داخلها. بمعنى آخر، لو أن شركات الطيران حكمت في كرة القدم، لكان اللاعبون قد لعبوا في مونديال جنوب إفريقيا بكرات مكعبة لأنها أرخص وقابلة للتكديس.
دبي ـ باسل أبو حمدة
