في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية. شاكر نوري عادة ما يتم تعريف المستشرق الهولندي جاك واردنبرغ على أنه عالم لاهوت وكاتب وعلامة بالدراسات الدينية والإسلامية، لأنه ذهب في دراسة الدين إلى جميع أبعاده وتفسيراته.
ومن هذه النقطة، انطلق نحو دراسة الأديان الأخرى. وقدم دراسة مقارنة بينها. لذا انصبت اهتماماته على دراسة العلاقة بين المسيحية والإسلام في الماضي والحاضر، وعلى القضايا المنهجية والنظرية الأخرى في الدين والعلوم الإسلامية. وطور مفهوم تداخل الظواهر ببعضها، وأعاد صياغة الظواهر الدينية حسب الظروف التاريخية لصعودها وانتشارها.
وفي تحليلاته، يحاول المستشرق الهولندي أن يميّز بين ما هو ديني وما هو غير ديني. وهنا يعالج في أبحاثه مفهوم الاستشراق ويأسف على مواقف بعض المستشرقين الذين لا يخلصون لعملهم من خلال إقحام آرائهم الذاتية وعواطفهم في دراسة الظاهرة الدينية. وهو ما يراه المستشرق الهولندي اعتداء على البحث العلمي.
يقول في هذا الصدد: «إن الأصالة في مواقف معظم المستشرقين أقل بكثير مما تم تقويمه عموماً، إذ كانوا مجرد متحدثين بلسان مجتمعاتهم في تقييمهم للبعد بين الإسلام والغرب».
ريادة إسبانيا
يؤكد جاك واردنبرغ على المصادر الضئيلة التي جاءت عن الإسلام بقوله: «جاءت أولى دراسات اللغة العربية في أوروبا من إسبانيا، وهي عبارة عن مؤلفين: الأول هو «المعجم اللاتيني ـ العربي» الصادر خلال القرن الثاني عشر ـ والذي يضم أحد عشر ألف كلمة رئيسة لاتينية، ثلثها غير مترجم ـ. والثاني كتاب «مفردات بالعربية» الصادر خلال القرن الثالث عشر ـ الذي يضم نحو أربعة آلاف كلمة لاتينية رئيسة ونحو ثمانية آلاف كلمة عربية مفهرسة ـ. وينتقل إلى موضوع تعرف الغرب على الرسول محمد(ص).
ويشير إلى أن أول عمل عن هذا الموضوع، جاء عن طريق موزس السلفاردي (1062 ـ 1110 )الذي كانت له معرفة جيدة بالمؤلفات التنجيمية العربية. ومن ثم ذكر «مجموعة طليطلة» التي تعتبر أكثر رصانة.
وبعد الاستيلاء عليها في عام 1088، وبعد مرور بضعة عقود، أصبحت مركزاً لترجمة النصوص العملية والفلسفية العربية إلى اللاتينية، وذلك بجهود رئيس الأساقفة دون رايموندو الذي تولى رئاسة الأسقفية في الفترة ما بين (1125 ـ 1151). وبعد ذلك، تمت ترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية مع خمسة نصوص إسلامية في عام 1143.
وكتب بيتر المبجل نصين، فضلاً عن تلك الترجمات، أكثرها وصفية، أولهما كتابه «أسمى جزء يتمسك به العرب المسلمون»، وثانيهما «الكامل في صحائف الهرطقة الإسلامية»، وهما يشكلان معاً ما يُطلق عليه «مجموعة طليطلة».
ويرى جاك واردنبرغ أن تعايش الديانات الثلاث في اسبانيا الوسيطة، حتّم على المفكرين المتمسكين بدين واحد، أن يذهبوا لدراسة الديانتين الأخريين من أجل كسب المعرفة والتحاجج بينها مثلما كتب ابن حزم( 994 ـ 1046) في كتابه «الفصل» ويهودا هالفي (1085 ـ 1143) في «الخرزي»، وتقديمهما لوجهتي نظر إسلامية ويهودية.
أوروبا في حالة استشراق
ويعتبر المستشرق الهولندي جاك واردنبرغ إن تأثير الفلسفة العربية في أوروبا خلال القرن الثالث عشر هي عبارة عن حالة «استشراق» بحد ذاتها، إذ قام الفلاسفة الأوروبيون بدراسة التراث العربي والحضارة الإسلامية، مقتبسين الكثير منها.
وأبرز هؤلاء روجر بيكون(1214 ـ 1292) في كتابه «الكتاب الأكبر» ـ عالج الأديان المختلفة في الجزء الرابع من كتابه المعنون «فسلفة الأخلاق»، وروبرت غروسيتيست ( توفي عام 1253) من المدرسة الأفلاطونية، وألبيرتوس ماغنوس (1206 ـ 1280) والشهير توما الأكويني ( 1226 ـ 1274 )من المدرسة الأرسطية والرشدي اللاتيني سيغر الرابانتي (1235 ـ 1282). كان التجاهل مسيطراً في بادئ الأمر على الغرب، ولم يصحُ من ذلك إلا بعد أن نهضت علوم العرب في أجزاء مختلفة من أوروبا.
وجذبتهم شخصية الرسول محمد(ص) انجذاباً كاملاً حتى بدأوا يكتبون عنه الروايات، وأول رواية كتبها غودفري من فايتربو (القرن الثاني عشر) عن حياة محمد (ص)، وهي رواية تاريخية معقولة ضمن كتابه المعنون «تاريخ حوادث العالم». وقدم جيمينز دي رادا، رئيس أساقفة طليطلة (في أوائل القرن الثالث عشر) كتابه «تاريخ العرب أو السراسنة» وهي رواية منصفة عن تاريخ العرب، كما أشار المستشرق الهولندي.
الإسلام في مرآة الغرب
وله رأي في الاستشراق المتعصب والمتقوقع على الذات، لعقود طويلة. «كان الاستشراق يعطي صورة ثابتة تقريباً عن الإسلام في البحث الأكاديمي، بصفته حقيقة تاريخية، ومجموعة من العقائد والممارسات الجامدة، كما أوضح ذلك في كتابه الهام «الإسلام في مرآة الغرب» 1970، وهو في أصله أطروحة دكتوراه قدمها في عام 1961.
ولكن هذه الصورة تحطمت عبر مسار التاريخ وتطور البحث الأكاديمي المتخصص. في كتابه الأساسي هذا، يطرح المستشرق الهولندي موضوع المستشرقين الغربيين الذين تعاملوا مع موضوع فهم الإسلام. ويختار منهم خمسة: هم: ايغناس غولدستهير(1850 ـ 1936) هنغاري يهودي، وسنوك هورجرونج (1857 ـ 1936)، والألماني سي. أش. بيكر(1876 ـ 1933) والأميركي دي. بي. ماكدونالد(1863 ـ 1943)، والفرنسي لوي ماسينيون(1883 ـ 1962).
ويشرح مطولاً علاقة هؤلاء العلماء بالإسلام. ويقدم تفسيراً مقارناً للإسلام مع الديانات الأخرى ولا يقتصر على المسيحية واليهودية بل ينتقل إلى الأديان الأخرى وخاصة في جنوب شرق آسيا والصين. ويؤكد على أن هؤلاء المستشرين كانوا مخلصين لأفكارهم، وكل واحد منهم، يقدم تفسيره الخاص للإسلام وكأنهم يبحثون في قارات مختلفة.
ويأخذ نماذج من دراساتهم وأمثلة عليها، ويقوم بتحليلها. وإجمالياً، يقسم تفسيراتهم إلى الاتجاهات التالية: صوفية، وجمالية، وظاهراتية، ونفسية. واقترح المستشرق الهولندي جاك واردنبرغ «قراءات جديدة» للإسلام، ذات توجهات متنوعة:
دينية وأيديولوجية وسياسية وغيرها بحيث تعطي حرية أكثر للمفكرين الغربيين: «إن إحدى المشكلات الملحة في نظري هي الطريقة التي يرتبط بها تأويل الإسلام، وتطبيق عناصر الإسلام على سياق تاريخي واجتماعي معين».
ويطرح التساؤل التالي: كيف يمكن ربط تحليل مجتمعات إسلامية في الحاضر من خلال طرق محددة فُسر بها الإسلام وطبق على تلك المجتمعات في الماضي؟» أين هو الحل إذاً؟
يقول جاك واردنبرغ إن الحل يكمن في استبدال نظرة أخرى للإسلام باعتباره موضوعاً لعملية تأويل متواصلة. كما ينبغي استبدال النظرة «النموذجية» المتصلبة عن المجتمعات الإسلامية بنظرة أخرى أكثر مرونة. إضافة إلى اطلاع الأكاديميين أنفسهم على تطورات جديدة في العلوم الإنسانية. يرى المستشرق الهولندي جاك واردنبرج في كتابه:
«الإسلام والعلمانية الغربية: مجرد صراع أيديولوجي»، أن كثيراً من المسلمين ينظرون إلى أوروبا على أنها خاضعة للعلمانية، بعكس الغرب الذي لا دين له، فالعالم الإسلامي يملك الإسلام بحقائقه السماوية وقيمه ومبادئه. في حين يرى الغرب نفسه على أنه المتفوق حضارياً على الإسلام في مجال التنوير والعقلانية».


