تنوعت ذكريات الشهر الكريم التي احتفظ بها إبراهيم صالح المنسق العام لمهرجان دبي للتسوق ما بين ذكريات اجتماعية وأخرى دينية وثالثة دراسية، إلا أن المحصلة النهائية لكل هذه الذكريات تؤكد أن رمضان في الماضي كان له مذاق مختلف.

يقول صالح: شهر رمضان في الماضي كان يلف الجميع بأجواء خاصة تشمل الصغار والأطفال، حتى من هم دون سن التكليف بالصيام كانوا يتفاعلون بالأجواء الرمضانية التي كانت تسود الأسرة والفريج والمجتمع كله، فعلى الرغم من صغر أعمارنا حيث كنا في الثامنة، لم يكن أمامنا مجال لمخالفة فريضة الصوم أو المجاهرة بالإفطار، فقد كان الشعور العام لدينا كأطفال أن الصوم ضروري من باب مشاركة الكبار سلوكهم الديني، ومن ناحية أخرى، لأننا حتى لو رخص لنا الفطور فأين يمكن لنا أن نتناول الطعام وسط مجتمع يلتزم فيه الجميع بأداء هذه الفريضة؟

يضيف صالح مبتسماً: كنا ننتظر وقت قيام ربة الأسرة بإعداد طعام الفطور ثم نتسلل إلى المطبخ لنتناول ما تصل إليه أيدينا من طعام خلسة دون علم الأهل، أيضاً كان الشهر الفضيل أيام الطفولة يتوافق مع فصل الشتاء والدوام الدراسي، وأثناء اليوم الدراسي لا مجال للفطور إلا بشرب الماء، وأذكر أننا كنا نشربه مباشرة من الصنبور في دورة المياه بعيداً عن الأعين، ولم تسنح فرصة الإفطار لأن المقاصف والكافيتريات والمطاعم مغلقة ولا تفتح أبوابها إلا وقت الإفطار..

يمكن أن نطلق وصف الهدوء التام على نهار رمضان في تلك الفترة، وأعتقد أن أصحاب الأعذار المبيحة للفطر مثل كبار السن أو المسافرين أو المرضى لم تكن أمامهم خيارات الإفطار سواء داخل أو خارج بيته، فقط ربما يتناول الماء انتظاراً لموعد الإفطار.

الإفطار خلسة

يضيف إبراهيم صالح: أحياناً كنا نبحث عن فرصة لتناول أية أطعمة خفيفة تصبرنا على الجوع حتى موعد الإفطار، فكنا نتوجه بعد الدوام الدراسي إلى أحد محلات البقالة لشراء علبة (تونة) ثم نتوجه إلى الخباز ونشتري خبزة واحدة ثم نبتعد بقدر الإمكان عن الأعين لتناول الوجبة.

وبما أنني كنت من مواليد فريج (عيال ناصر) في ديرة، وكان معظم أصدقائي من أبناء نفس الفريج أو من أبناء فريج المرر الذي يجاور فريجنا، فقد كنت أتوجه مع أصدقائي الأطفال المفطرين مثلي إلى منطقة الكورنيش أو النخل الذي كان يملأ منطقة البراحة في ذلك الوقت.

ويؤكد صالح أن أجواء رمضان في الماضي كانت تجذب الجميع ليعيش فيها متفاعلاً معها، يقول: كان مفهوم المشاركة متواجداً بقوة وكانت العبادات ذات أولوية في البرنامج اليومي للجميع، أذكر أن الوالد كان يهتم بنفسه بإيقاظنا من النوم لتناول وجبة السحور وكان الجو وقتها شديد البرودة في الليل لكونه يتفق مع فصل الشتاء، ولم يكن الوالد يسمح لأحدنا بالغياب عن مائدة السحور.

وأعتقد أن هذا التقليد اختفى في أيامنا الحالية، فأنا مثلاً أتناول وجبة السحور أحياناً خارج المنزل، وأترك للأبناء حرية تحديد موعد تناول هذه الوجبة، وربما منهم من يفضل مواصلة النوم على تناولها.. وهكذا.

ثقافة غذائية

ويشير صالح إلى التنوع الذي يميز المطبخ الإماراتي وفائدة هذا التنوع في إرضاء كل الأذواق، وارتباطه بالبيئة المحيطة، مؤكداً ثراء الثقافة الغذائية منذ القدم..

يقول: كانت موائد الإفطار في الأيام الماضية تحفل بما لذ وطاب من أنواع الأطعمة المختلفة، وكانت الوجبة الرئيسية المحببة على مائدة الإفطار هي الثريد والأرز واللحم والهريس واللقيمات، وكانت الإمكانات في هذه الفترة محدودة والخيارات قليلة بالقياس إلى توفر المواد الغذائية الذي نراه حاليا.

ولذلك المقارنة تعتبر في صالح الأيام الماضية، لأن التفوق في هذا المجال هو ابتكار الأصناف المتنوعة مع قلة المتاح من المواد الغذائية ومحدودية التنوع، أيضاً كانت العائلات تحرص على مظاهر الخير، ولعل ذلك هو السبب في تسميته بشهر الخير، فكل شخص كان يحصل على ما يشتهي بسهولة ويسر وكانت المجالس مفتوحة لعابري السبيل والمحتاجين وكانت الأسر حريصة على تجهيز الوجبات وإرسالها إلى المساجد حتى يحصل عليها المحتاج دون حرج.

وكانت المجالس ترحب بعابري السبيل وقت الإفطار لتناول الوجبة وكان الغريب يلقى كل ترحيب من صاحب المجلس أو رب البيت لأنه يشعر بالخير الذي يعود عليه إذا ساهم في إفطار صائم استكمالاً لشعائر الشهر الكريم.

ويضيف صالح: كان الأهالي يتكافلون في إعداد وجبات الإفطار في المسجد ولم يكن شخص واحد يقوم بها كما هو الحال حاليا، وكانت هذه الظاهرة تمثل وجهاً مشرقاً من وجوه التكافل الاجتماعي، وكان ذلك يدعم أواصر الألفة والتعاون بين أفراد الفريج الواحد، بعكس الزمن الحالي الذي يعرف الجار بالكاد جاره الأقرب، وأعتقد أن مظاهر الترابط بين الجيران التي شهدتها الأحياء الشعبية اختفت.

دبي - أيمن حجازي