يأتي رمضان وتأتي الأجواء الروحية التي تحث عليها التعاليم الإسلامية، لتحسّن من فرص الاستفادة من هذا الشهر الكريم، فصلاة الليل مثلاً فرصة حقيقية للخلوة مع اللَّه، ولا ينبغي للمؤمن أن يفوت ساعات الليل في النوم، أو الارتباطات الاجتماعية، ويحرم نفسه من نصف ساعة ينفرد فيها مع ربه بعد انتصاف الليل، وهو بداية وقت هذه الصلاة المستحبة العظيمة.
وينبغي أن يخطط المؤمن لهذه الصلاة، حتى تؤتي بأفضل ثمارها ونتائجها، فيؤديها وهو في نشاط وقوة، وليس مجرد إسقاط واجب أو مستحب، بل يكون غرضه منها تحقيق أهدافها، قال عز وجل: «وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا».
وقراءة القران الكريم والتي ورد الحث عليها في هذا الشهر المبارك، فهو شهر القرآن، يقول تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ». وفي الحديث الشريف: «لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان». هذه القراءة إنما تخدم توجه الإنسان للانفتاح على ذاته، ومكاشفتها وتلمس ثغراتها وأخطائها، لكن ذلك مشروط بالتدبر في تلاوة القرآن، والاهتمام بفهم معانيه، والنظر في مدى الالتزام بأوامر القران ونواهيه.
إن البعض من الناس تعودوا أن يقرؤوا ختمات من القرآن في شهر رمضان، وهي عادة جيدة، لكن ينبغي ألا يكون الهدف طي الصفحات دون استفادة أو تمعن.
وإذا ما قرأ الإنسان آية من الذكر الحكيم، فينبغي أن يقف متسائلاً عن موقعه مما تقوله تلك الآية، ليفسح لها المجال للتأثير في قلبه، وللتغيير في سلوكه، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد»، قيل: يا رسول اللَّه، فما جلاؤها؟ قال «تلاوة القرآن وذكر الموت».
وبذلك يعالج الإنسان أمراض نفسه وثغرات شخصيته، فالقرآن «شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ».
والأدعية المأثورة في شهر رمضان، كلها كنوز تربوية روحية، تبعث في الإنسان روح الجرأة على مصارحة ذاته، ومكاشفة نفسه، وتشحذ همته وإرادته، للتغير والتطوير والتوبة عن الذنوب والأخطاء. كما تؤكد في نفسه عظمة الخالق وخطورة المصير، وتجعله أمام حقائق وجوده وواقعه دون حجاب.
محمد إبراهيم زيدان
