في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية.
شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم. ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.
اللغة العربية أدخلت طريقة التعبير العلمي إلى الغرب... عندما توفي المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون، كتب عنه مواطنه الشاعر الشهير لوي أراغون في رثائه «رحل عن عالمنا أحد الرجال الذين يمثلون فرنسا». ولكن السؤال المطروح: هل كان ماسينيون يمثل فرنسا فقط؟
في الحقيقة، إنه المستشرق الذي لم يُؤطر في خانة واحدة ولا في وطن واحد. وربما كان يمثل عالم الشرق بكل روحانياته، فقد أمضى حياته متعايشاً ودارساً، كما يعترف بذلك بقوله «جذبني الشرق إليه بماضيه الحافل بالديانات، فإذا أنا غارق فيه إلى قمة رأسي، وإذا فلاسفة الإسلام ومتصوفوه يحظون جميعاً بالقسط الأكبر من تفكيري، وإذا أنا بعد دراستي إياهم أنجذب نحو المنبع الأول الذي استقى منه هؤلاء الفلاسفة تصوفهم وفلسفتهم». والمنبع الأول بالنسبة له كان الحلاج. وليس هناك أي تعارض بين رثاء الشاعر آراغون وما كان يؤمن به ماسينيون في حياته الروحية. فجهوده في الاستشراق جعلت الأوروبيين يفهمون العلاقة الموجودة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية إذ تمكن أن يشرح هذه العلاقة من خلال الرجوع إلى المنابع، التي رآها في إبراهيم كنموذج للتوحيد. فقد دمج ماسينيون بين الروح المسيحية والروح الإسلامية، وقارن بين الديانتين بكل حب وإيمان. فلم يشعر بأي تناقض بين الدينين، بل وجد في أعماقه إيمان واحد يشده إلى الأديان التوحيدية. فقد تعلم من التصوف التأمل، أن يعايش بين المتصوف المسلم والراهب المسيحي. ولا يعبر ذلك عن الازدواجية بل عن الإيمان العميق. لقد تطور ماسينيون روحياً من خلال علاقته برموز إنسانية مثل الحلاج، وغاندي.
فما هي عبارة «أنا الحق» التي نطقها بها الحلاج؟
أليست هي الشعار ذاته الذي رفعه غاندي عن طريق الجهاد واللاعنف؟
هكذا كان يرى ماسينيون الحق. وكان ماسينيون قد تعرف رفيقه ومرشده شارل دو فوكو، الذي ولى وجهه إلى الصحراء، يجاهد مع القبائل العربية. فقد رأى فيه الحلاج متصوفاً من نوع آخر لأنه أراد أن يعطي البعد الروحي الذي بدونه تصبح الحياة جافة وبليدة. هكذا تكونت عند ماسينيون رموز كونية: الحلاج، شارل دو فوكو، وغاندي. إنها السلسلة الإنسانية التي لا تنتهي.
فقد أنصف تاريخ العرب والمسلمين وتراثهم، بل وعرّف بهم على نطاق عالمي. وخصص نحو مائتي دراسة وبحث ومقالة لكي يشرح فلسفة الحلاج في منهج استبطاني ذاتي جذري يختلف عن بقية المناهج.
صلاته باللغة العربية
قصة ماسينيون مع الإيمان معروفة. فقد ذكر أنه تعرض للتوقيف من قبل السلطات العثمانية في أيار 1908 واتهم بالجاسوسية وسجن وهدّد بالموت، وهنا جاءته رؤيا روحية يصفها كالتالي «رأيت ناراً داخلية تحاكمني وتحرق قلبي وكأنني أمام حضور إلهي لا يمكن التعبير عنه، حضور خلاق يوقف إدانتي بصلوات أشخاص غير مرئيين، زوار لسجني، التمعت أسماؤهم في مخيلتي فجأة». ولأول مرة، أخذ ماسينيون يصلي، ولكن باللغة العربية هذه المرة.
كانت هذه الحادثة كفيلة بأن تجعل الإيمان يتدفق إلى أعماقه. بل ومنذ تلك اللحظة قرر الالتزام بدراسة الإسلام دراسة عميقة.
وأول عمل قام به هو كتابة أطروحة الدكتوراه عنه عام 1914، وقد أظهر فيها تطور المراحل في حياة المتصوف عبر التوبة ونكران الذات والتطهر، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الاتحاد في ذات الله. ويرى بعض المفكرين أن ماسينيون تجاوز الحدود في ذلك. على سبيل المثال، يعتبر أدوارد سعيد شخصية الحلاج هامشية وليست أساسية في الإسلام. أما بالنسبة له، فهو تعبير حقيقي عن الإيمان التوحيدي المنحدر من إبراهيم عن طريق إسماعيل.
وقد اهتم المستشرق بالأماكن التي يستطيع أن يشترك فيها المسيحيون والمسلمون في الصلاة كالقدس ومقام إبراهيم في الجليل ومزار «أهل الكهف». إنها رموز لا أماكن في نظره.. واهتم ماسينيون بقصة «أهل الكهف» كنقطة لقاء بين المسيحية والإسلام وقرأ فيها الكثير من المعاني الروحية.
الحوار المسيحي الإسلامي
كان ماسينيون على علاقة خاصة بالأب أنستاس ماري الكرملي حيث راسله على مدى الثلث الأول من القرن الماضي عبر أكثر من مائتي وثمانين رسالة. ناقش فيها معه العلاقة بين الغرب والشرق، والإسلام والمسيحية، والفلسفة والوجد. في الحقيقة أن عمله في وزارة المستعمرات الفرنسية لم يكن سوى عملاً وظيفياً لأنه كان يؤمن بحق الشعوب في التحرر والكرامة والاستقلال.
فقد قال:«على عاتق فرنسا أن تضمن للحكومات العربية الاستقرار والأمن والحضارة». كما أن تواجده في خدمة العلم اضطرارياً أدى به إلى القول«تعلمت في الجيش الكولونيالي تأمل الموت ووجود الله».
كان افتقار الغرب للبعد الروحي يجعله ينأى عن هذا المجتمع بعيداً. لذلك وجد ضالته في الشرق لأنه مليء بالروحانيات.
وكان كما يتفق جميع المستشرقين من القلائل الذين انفتحوا على الإسلام بشكل حقيقي، مركزاً على النواحي النفسية للتصوف، وهو الجانب الذي أهمله كثيرون من خلال تركيزهم على الجوانب اللاهوتية. أما المحاضرات التي ألقاها في الجامعة المصرية آنذاك، فقد أثرت على أجيال عديدة من المثقفين المصريين أبرزهم: طه حسين.
ويؤكد الأب باولو دالوليو الذي كان صديقه على أن: «هناك توازٍ وترابط بين تعمُّق ماسينيون في المفاهيم الإسلامية الروحية الأساسية وبين حياته الروحية المسيحية، من خلال دراسته وتأمُّله في التصوف، هذا الترابط الروحي المدهش بين نفسه ونفس الحلاج. بذلك أصبح ماسينيون، رويداً رويداً، يعيش مسيحيَّته انطلاقاً من المفاهيم الإسلامية والتعابير العربية».
سيرة حياة صاخبة
من شدة تعلقه بالصوفية،قام بزيارة قبر الحلاج وقبر سلمان الفارسي وكربلاء والنجف والكوفة وبيروت ودمشق واسطنبول.
وفي عام 1938 زار المنصورة ودار ابن لقمان وعواصم عربية عديدة وتركيا. وشارك في مؤتمر المستشرقين الألمان، حيث ألقى بحثاً عن الشّيعة المتطرّفين في نهاية القرن الثالث الهجري، كما شارك في المؤتمر العشرين للمستشرقين في بلجيكا. وفي أثناء الحرب التقى هاشم الأتاسيّ وشكري القوتلي وسعد الله الجابري وفخري البارودي وأحمد الشراباتي.
وزار أفغانستان، وعيّن عضواً في الأكاديمية الأفغانية. ثم سافر إلى الهند وزار جامعاتها ومعاهدها الإسلامية. والتقى نهرو ومُنع من زيارة غاندي في السجن.
ومع بانتهاء الحرب الثانية عاد إلى نشاطه الاستشراقي، ولكنه لم ينقطع عن زيارة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وآزر نضال الشعب المغربي لإعادة الملك محمد الخامس إلى العرش.
وشارك في باريس في الصلاة على الضحايا المسلمين الذين قتلوا في إحدى التظاهرات، وتآزر مع سارتر ومورياك للمطالبة بإنصاف الشعوب المستعمرة.
وبعد ذلك، سافر في عام 1952 إلى الولايات المتحدة وكندا، وألقى هنالك عدداً من المحاضرات. وحضر المؤتمر الثاني عشر للمستشرقين الألمان، وصار رئيساً لجمعية أصدقاء غاندي، ورئيساً لجمعية العفو عن السجناء السياسيين عبر البحار.
ثم تقاعد من العمل في الجامعة وكوليج دو فرانس، وسافر إلى الشرق متفرغاً لدراساته الاستشراقية، فزار مدغشقر ونيروبي وأوغندا ثم مصر والجزائر. وفي عام 1956 منحه الملك محمد الخامس الوسام العَلَويّ.
وفي عام 1958 زار الجنرال ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية، كما زار المهدي بن بركة في سجنه. ثم أعاد الكرّة إلى مصر وبيروت والقدس والخليل ودمشق موالياً بحوثه ومنشوراته ومحاضراته. وتوفي في باريس في13 أكتوبر من عام 1962 إثر نوبة قلبيّة، وقد شارف الثمانين من العمر.
في سطور
لويس ماسينيون (1883 ـ1962 )يعتبر من أكبر مستشرقي فرنسا وأشهرهم، وقد شغل عدة مناصب مهمة كمستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا. فقد ولد في 25 يوليو 1883 على ضفاف نهر المارن بضاحية نوجان القريبة من باريس. كان والده «فرناند ماسينيون» نحاتاً، فأثر على تذوق ابنه للفن وعنايته بالآثار الإسلامية. حصل على البكالوريا في الأدب والفلسفة 1900 وفي الرياضيات 1901.
وبعدها انطلقت رحلاته إلى الجزائر عام 1901 ومراكش عام 1904، وكتب عنها بحثا صغيراً، نال به دبلوم الدراسات العليا في السوربون على يد المستشرق هارتفج دارنبور، ثم تابع محاضرات لوشانلييه في الكوليج دي فرانس عن دراسة الإسلام.غير أن حياته الإستشراقية بدأت باشتراكه في المؤتمر الذي عقد بالجزائر في ابريل 1905، وهناك تعرف إلى جولدتسيهر، واسين بلاثيوس.
تعلّم ماسينيون العربية والتركية والفارسية والألمانية والإنكليزية. درس في الجامعة المصرية القديمة (1913) وخدم في الجيش الفرنسي خمس سنوات خلال الحرب العالمية الأولى.
تعريف
من علاقات لويس ماسينيون العميقة والمهمة كانت علاقته بالشاعر (بول كلوديل) وقد تبادل معه الرسائل ومنها رسالة في آب 1908 تدور حول قرار ماسينيون إما أتباع صديقه شارل دو فوكو في الصحراء في حياة مكرسة للصلاة والتوحد في الصحراء مع القبائل العربية، إن هذا الإيمان الكوني قد دفع بماسينيون إلى زيارة المساجين وتعليم المهاجرين الجزائريين وممارسة الاحتجاج اللاعنفي على تجاوزات الحكم الاستعماري الفرنسي.
من آرائه
«اللغة العربية
من أنقى اللغات، تفردت في طرق التعبير العلمي والفني»
قالوا عنه
«يعود الفضل في معرفة الغرب للصوفية إلى المستشرق لوي ماسينيون الذي انفق عدة عقود من عمره في البحث عن آثار الحلاج، وحياته، ونصوصه».
آن ماري شيميل
«ما يتميز به الإسلام من بعد إبراهيمي وما يترتب على ذلك من مطالبة أهل الكتاب دوما بترجيح الحوار يعد من المعطيات الأساسية التي يتميز بها الإبداع الفكري الزاخر للوي ماسينيون.
وهنا تكمن قيمة هذا الفكر وقدرته على الإسهام في بعث الأمل من جديد في كل النفوس علما أن هذا المجهود يتطلب حتما ـ التخلي عن مركزية الذات ـ وهو تعبير للوي ماسينيون ليس فقط بالنسبة للأفراد ولكن كذلك على صعيد الأمم والدول والحضارات الإنسانية».
جلالة الملك محمد السادس
«كانت تعجبني معرفته الكبيرة بالدراسات الإسلامية وبخاصة التصوف الإسلامي، كان يهتم بالشؤون الإسلامية، وقد أصبح أستاذا لعلم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دو فرانس. كان يحب المسلمين كما لو انه احدهم دون أن يتخلى عن ارتباطه العميق بإيمانه المسيحي.طه حسين
مؤلفات
ـ عذاب الحلاج والطريقة الحلاجية 1909
ـ المعركة الأخيرة بين الرفاعية والقادرية 1909
مجموع نصوص غير منشورة عن التصوف 1929
ـ ديوان الحلاج 1931
كتابات العطار عن الحلاج 1946
ابن سبعين والنقد النفساني 1953
مراجع جديدة عن الحلاج 1954
ـ الكلام الممنوح 1962
ـ أوبرا مينورا نصوص أعدها يواكيم مبارك 1969
ـ أخبار الحلاج 1975
ـ شغف الحلاج 1982
ـ الأحجار الثلاثة لإبراهيم 1997
ـ مقالة عن أصول الصوفية في الإسلام 1999
ـ حاضر الرجل العارف لعبد الله ابن تورجمان 1992
ـ ماسينيون ـ عبد الجليل مراسلات 2007
ـ لوي ماسينيون: كتابات ومذكرات 2009
شاكر نوري



