يتمتع بذاكرة قوية تجمع ما بين الأصالة والحياة الإماراتية القديمة، سرد بعض الوقائع والأحداث التي لازمته في أيام شبابه، وروى لنا عن عادات أهل الإمارات وطباعهم التي يعتز بها كثيرا، وتحدث بلغة حية وعذبة تنبع منها كلمات من عبق الماضي تخللتها أبيات شعرية وقصائد نبطية تعبر عن اعتزاز أصحابها بحكامهم وترابط الشعب، الوالد عتيق مسعود عيال سالمين، يختزل في ذاكرته ذكريات جميلة لا تنسى منذ عقود، عاش في زمن كان الناس فيه يتحدثون بلغة التفاهم والمودة والإيثار.
وترعرع على حب الخير والطاعة واحترام الكبار والانتماء إلى أهالي الحي البسيط، وفي حي الشندغة الذي احتضن مراتع طفولته وشبابه، تربى في بيت كبير جمع جده وأعمامه وأبناءهم، وعاش في أسرة ممتدة ومترابطة ومتمسكة بالموروثات التي كانت من سمات الحياة الإماراتية القديمة.
وعلى الرغم من شظف الحياة وقسوتها، إلا أن التلاحم الاجتماعي فرض نفسه على الصعوبات، حيث كانت طباع الأهالي واحدة، ويشتركون في الطيبة والكرم والإيثار والعطاء والشجاعة ونبل الأخلاق، الأمر الذي يفتقده الوالد عتيق كثيرا ويحن للعودة إلى ذلك الزمن الذي غيرت معالمه الحياة العصرية وطمست الحداثة والتطور نمط عيشه.
وقال: «كان النعيم والرخاء والحياة الهانئة والكريمة ينطبق على الحياة القديمة التي عشتها، ولم تكن الحياة سهلة بل كابدنا الكثير من المصاعب والمتاعب لتحقيق تلك الصفات، حيث كانت النفوس صافية ولا تطلب الكثير ولم تكن هناك هموم وضغائن في النفوس والناس كانوا أكثر ولاء وأخلاقا.
حيث كانت القناعة بالأحوال والرضا بما كتبه الله كافية لبث الخير في ثنايا المنطقة، كما كان التصاق الشعب بالشيوخ دلالة على الترابط الاجتماعي، وقد عاصرت الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم رحمه الله في أيام الصبا والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله في أيام شبابي.
فلا أزال أتذكر تجمع أهالي المنطقة في منزل الشيخ سعيد آل مكتوم سواء لتناول الغداء أو للحصول على العطايا الكثيرة التي كان ولا يزال يحظى بها القريب والبعيد وذلك ليس غريباً على حكامنا الذين تعلمنا منهم الكرم والخصال الطيبة مثل التسامح والعفو والطيب والدين والأخلاق وغيرها، تلك صفاتهم في أيام الفطر، فما بالك في أيام رمضان حيث يتسابق الجميع لفعل الخير وإبداء الآخرين على النفس سواء بالمال أو الطعام».
غرة رمضان
وذكر الوالد عتيق، يترقب الناس حلول الشهر الفضيل وتوكل مهمة إعلان غرة رمضان لأشخاص ذوي علم ومعرفة بالحسابات الفلكية، فالأجواء الصافية في الماضي كانت تسهل عملية تلك الحسابات، قائلا: «كنا نصوم على الشوف ونفطر على الشوف»، وكان الاستعداد لرمضان يعني الحصول على كميات كبيرة من الطحين والأرز والزيوت واللحوم من بيوت الشيوخ.
كما ينشغل الناس بشراء احتياجاتهم من الأسواق الشعبية، ومع دخول الشهر الفضيل يتكفل احد المقتدرين بإفطار أهالي الفريج بأن يقول: «يا جماعة ترا الفطور من أول رمضان لين آخره من بيتي» وهكذا، ولا يعني ذلك أن ربات البيوت لا يحضرن شيئا لوجبة الفطور، بل يقمن بذلك للمشاركة في موائد الإفطار التي يحضرها الصبيان الذين يأتون من بيوتهم حاملين أطباقا مختلفة.
فإذا كان في الفريج مسجد فيتم افتراش باحة المسجد لإقامة المائدة، وأحيانا تنظم مائدة الإفطار الجماعي في ساحة الفريج التي كانت عبارة عن جلسة بسيطة معدة من الحصير والمساند البيضاء، مع فرش حصير بجانب المائدة مخصص للصلاة، ويتجمع الرجال والصبية للإفطار على تمر ولبن والنهوض لإقامة الصلاة ومن ثم تناول الفطور.
فيما تفضل المرأة الإماراتية وبناتها الفطور في البيت، كما تتم دعوة المارة للمشاركة في المائدة المفتوحة التي تضم أصنافا مختلفة ومتنوعة من الأكلات الإماراتية أهمها «الفوقة» أو المكبوس.
حيث يتباهى الرجال بالأطباق التي تعدها زوجاتهم التي لا تقل أهمية عن الرجل في ذلك الزمن، حيث تتفنن ربة البيت الإماراتية بغسل الأرز بيدها حتى يبيض لونه وتطهوه على نار هادئة من الحطب الذي يضفي لذة على الأكل، فالبيت في الماضي كان يحيا بالمرأة التي تحسن تدبير شؤونه وترعى أبناءها وتهتم بواجبات زوجها.
الفطور
واستطرد قائلا: «بعد الانتهاء من الفطور يقوم الصبية برفع المائدة ويعودون إلى بيوتهم مع أهاليهم حتى موعد صلاة العشاء والتراويح، حيث تعج المساجد بالمصلين من الرجال والنساء، وبعدها يتوجه الرجال بصحبة أبنائهم إلى احد المجالس المنتشرة آنذاك، فيتبادلون التحية عند كل لقاء فيجلسون ويتسامرون عن أمور الحياة ويتضرعون إلى الله بالدعاء، فالكلام كان يغني عن التلفزيونات التي تجتهد خلال الشهر الفضيل لبث برامجها، ويبادر الصغار بالدوران حول المجلس لتقديم القهوة للحاضرين، مع وجود الحصير المتميز بكثرة الأطعمة وتنوعها.
وتلك الجلسات تمتد إلى موعد السحور الذي يدق أجراسه «الطبيلوّه» أو «بو طبيله» كما يسميه البعض وهو المسحراتي في لهجة المصريين، ويستأذن بعض الحضور ممن كان لديه ارتباط أو زوار في بيته أو إذا أراد زيارة احد أقاربه، كما يسأل الحاضرون عن الشخص المتغيب سواء عن الفطور أو في المجلس، فيهم بعضهم للذهاب إلى منزله وسؤاله عن سبب تغيبه، وكانوا يأبون تركه إذا وجد بينه وبين احدهم خلاف.
حيث يصطحبونه معهم لحل الخلاف وديا، هكذا كان حالنا في الماضي ويا ليته يعود يوما، ولكنه لن يعود، وعلى الرغم من أن الوقت هو ذاته يعيد نفسه في كل عام، إلا أن النفوس تغيرت ولم تعد كالسابق».
وفي العيد يتجه الرجال والأولاد إلى مصلى الفهيدي وكانت المدافع تطلق من هناك، وأذكر أنني كنت ووالدي وأعمامي وأبناؤهم نتوجه إلى منطقة الفهيدي مشيا على الأقدام من الشندغة، وكان الجميع يحرص على ارتداء الكنادير «الأثواب» والغتر، وتلك الأمور كانت تدعو الجميع للتعرف على الآخرين، فيأتي الرجال مع أبنائهم لنتعرف عليهم.
كما كانت العيدية من نصيب الأم، فيعطي الولد عيديته لأمه حيث كانت الأم تُفضل على كل شيء، كما كان الاحتفال في العيد في أيامنا يقع في منطقة الغبيبة حيث تشهد ألوانا مختلفة من الأنشطة، مثل الفنون الشعبية كالعيالة جنبا إلى جنب مع مسابقات الركض المتعلقة بالخيل و«الركاب».
«المعقصة» و«المحنية»
وتابع بلهفة المشتاق: «كانت الأرض في الماضي نظيفة جدا، ومع اشتداد درجة الحرارة ودخول موسم الصيف (القيظ) ترحل الأهالي إلى الأماكن التي يتواجد فيها النخل والظل والماء وتسمى (العرش)، كما يتوق للعودة إلى ذلك الزمن الذي تتجمع الأهالي في منطقة زعبيل التي تعد من الأماكن المفضلة للعائلات لقضاء يومها فيه (تقيّل) وللاستمتاع بصفاء الجو وشاعرية المكان، حيث أطلق عليه غدير الطير.
ينشغل الجميع في ليلة العيد بتجهيز أنفسهم وأبنائهم، فتدب في الأسواق حركة نشطة لشراء الفواكه والحلويات وما تبقى من تجهيزات كالملابس والأحذية وأحيانا الذهب، وذكر الوالد عتيق أن من مظاهر التجهيز للعيد انتظار النساء والبنات في بيوتهن حضور «المعقصة» وهي السيدة التي تسرح شعر البنات وتجعله على هيئة ضفائر، إلى جانب «المحنية» التي تتفنن في وضع الحنا على أيادي البنات كذلك، فيحمل صباح العيد بهجة وفرحة يشعر بها الصغار والكبار، ويعكس اللون الخمري للحنا على كفوف البنات والنساء مدى سعادتهم بالعيد.
حيث يمثل الحنا عنصرا أساسيا للتزيين في الماضي، فلا يأتي عرس أو عيد دون تخضيب الكفوف بالنسبة للمرأة الإماراتية، ويبدأ الصغار بجمع العيدية من الفريج، وبعدها تتجمع البنات مع بعض ليلعبن دون مشاركة النساء في المجالس، وفي العيد تكثر «المريحانات» أي الأراجيح التي تفضلها البنات كثيرا، فتعلو أصواتهن التي تتردد في ثنايا الحي ابتهاجا.
الاعتزاز بالشيوخ
من مظاهر الأنماط الاجتماعية لرمضان في الماضي اهتمام الشعب بالذهاب لمجالس الشيوخ للسلام عليهم في رمضان، وهي دلاله على اعتزاز الشعب بحكامهم وحرص الحكام على الاستماع إليهم والتعرف على أحوالهم والاطلاع عليها دون حواجز، وحدثنا الوالد عتيق عن تجمع الرجال وأبنائهم عند مجلس احد الموسرين قبل التوجه لمجالس الشيوخ العامرة بالخير والمحبة.
حيث كانوا يهتمون بالتطيب ولبس الملابس النظيفة احتراما وتقديرا لمكانة أصحاب السمو، وفي مجالس الشيوخ تتم الإشارة إلى أن هؤلاء القوم من الفريج الغربي والآخرون من فريج كذا حتى يتعرف عليهم الشيوخ.
ولا تمضي أيام قليلة حتى يحضر شخص ذو ثقة من مجلس الشيوخ ليسأل صاحب المجلس عن الأشخاص المحتاجين للزكاة، ليتم توزيعها على جميع الحضور ودون تميز احد عن الآخر، لذا كانت القلوب صافية والجميع يعيشون بخير وسلام، فلم يوجد في ذلك الزمن كره أو بغضاء، والأول ليس له مثيل.
حنين جارف
أحن للعودة إلى الماضي حيث إكرام الضيف حسب الأصول القديمة التي يتوجب على الشخص ذبح الذبائح وتجهيز أفضل الطعام للضيف، ووقوف الجميع ترحيبا بالزوار واحترام قدومهم ومكانتهم العالية في قلوب الحاضرين، والأجواء الحميمية المترابطة في الحي الواحد وهو دلالة على التراضي فيما بين الأهالي وأفراد الفريج وتلاحمهم، احن للعودة إلى ذلك الزمن الذي لم تكن للهموم مكانا بيننا بل كان التركيز على العمل الصالح غاية كل من نشأ على هذا الأرض، في الماضي قلت الأموال ولكن كان العيش هانئاً وسعيداً.
وفي زمننا هذا كثرت الفلوس وقلت الروابط الاجتماعية، فالصغار لا يودون اصطحاب آبائهم أو كبار السن معهم بعكس السابق، كما كان إبداء وتفضيل الأم بالنسبة للأولاد أمر لا بد منه في حياتنا، فكانت تحظى بكل شيء من أولادها.
دبي - نادية ابراهيم
