يعد الصوم تمرينا لكل جوارح الإنسان حتى يعيش حياة نموذجية كريمة مبدؤها التطبيق العملي لما يريده الله تعالى منا في هذا الشهر بالتحديد، فلا تكون الشدة سببا في اليأس ولا الرخاء سببا في البطر وكفران النعم، وعلى الرغم من أن الإسراف والتبذير عادتان مذمومتان في الحياة بشكل عام وفي شهر رمضان المبارك بشكل خاص، إلا أنه لا تزال هناك حصة كبيرة لحاويات المهملات من طعام الإفطار، حيث تعج موائدنا بما لذ وطاب من المأكولات وأصناف الحلويات، تعويضا لحرماننا من المأكل والمشرب طوال اليوم، بدلاً من الالتزام بالوسطية والاعتدال والابتعاد عن البذخ في هذا الشهر الكريم.
عبدالرحمن سالم -موظف متزوج- يذهب إلى الجمعية التعاونية بمعدل مرتين في الأسبوع، وينفق في كل مرة ألف درهم تقريبا يقول: لا أعد ذلك تبذيراً، لأن منزلي يزدحم يوميا بأهل زوجتي، وأهلي، وأقاربنا وأصدقائي، حيث أستضيف كل يوم عشرين شخصا وربما أكثر، كما تحتضن مائدة الإفطار أصنافاً عديدة من الطعام والحلويات. وعن الطعام الفائض قال عبدالرحمن: تحفظ زوجتي ببعض الطعام في الثلاجة حتى يكون وجبة سحور لنا لاحقا، بينما تضع الطعام المتبقي في علب نظيفة وأنيقة الشكل، أقوم بتوزيعها على الفقراء بعد صلاة التراويح.
أما فيصل محمود -موظف متزوج- فقال: أذهب ثلاث مرات إلى الجمعية التعاونية خلال الشهر، وأنفق نحو أربعة آلاف درهم تقريبا خلال المرات الثلاث على شراء المواد الغذائية، ولا أعد ذلك إسرافا، لأنني أتعاون خلال الشهر مع جيراني السبعة، حيث نقوم بتبادل الوجبات والأطباق يوميا لكسب الأجر والثواب، كما أن الصوم يفتح شهية الصائمين على تناول أكثر من وجبتين بعد الإفطار. وحول ما إذا كان ذلك يتعارض مع الهدف من الصيام وهو ضبط النفس والشعور بمعاناة الفقراء والمحتاجين، قال فيصل: قد يكون هناك مبالغة في عدد الوجبات التي نتناولها بعد الإفطار، وبالنسبة لي فأنا لا أشتري إلا المواد الغذائية الأساسية، بسبب ارتفاع الأسعار، فالخمسمائة درهم لم تعد تشتري إلا مواد بسيطة جدا. وقال فيصل عن الطعام الفائض: إذا لم يكن الطعام بحالة جيدة حتى أقوم بتوزيعه على المساكين، فإنني أقوم بإطعامه للأرانب، والقطط، والحيوانات الأليفة التي أقوم بتربيتها.
شهية مفتوحة... وأكد بطي الفلاحي -موظف أعزب- أن تنوع أصناف الطعام في مائدة الإفطار أمر ضروري، على الرغم من أنه تبذير صريح، وقال: تعودنا ألا نحرم أنفسنا من أي شيء في رمضان، حيث تقوم والدتي بتحضير أصناف عديدة حتى ترضي شهيتنا المفتوحة، فنحن لا نكتفي بتناول وجبة واحدة فقط، كما أننا نقوم بإرسال جزء من الطعام إلى جيراننا لأننا في شهر العطاء. وقالت أم نورة -ربة منزل-: أصبح شهر رمضان شهر الطعام، الذين يلتهم فيه الصائمون كميات كبيرة من الأطعمة، وبالنسبة لي فأنا أقوم بإعداد كميات كبيرة الطعام لأننا نستضيف يومياً معارف وأصدقاء وجيراناً، وما يفيض منه أضعه في علب أنيقة، ويذهب أبنائي لتوزيعه على المحتاجين. ولا تعد أم نورة ذلك إسرافا، وقالت: نحن لا نقوم برمي الطعام في سلة المهملات، بل نقدمه لذوي الدخل المحدد جدا والذين هم بلا دخل أصلا.
وبالنسبة إلى شكري أحمد ؟موظف متزوج- فقال: أشتري المواد الغذائية الأساسية والمهمة، كما تطهو زوجتي كميات تكفينا فقط، لأنه لا يوجد لدينا أقارب حتى نقوم باستضافتهم، وحتى لا يذهب أي شيء لسلة المهملات. وعن الميزانية التي يخصصها شكري لشراء المواد الغذائية في الشهر الكريم، قال: لا تتجاوز 2000 درهم، وهو مبلغ ضخم طبعا، ولكن الغلاء لا يرحم مطلقا.
مبالغة
قناعات بعيدة عن الاعتدال
يشتهي الصائمون أنواعا كثيرة من المأكولات أثناء فترة النهار ويظنون أنهم قادرون على التهام كميات كبيرة من الطعام، ولعل هذا ما يدفع بعض المتسوقين إلى رفع شعار «عربة تسوق واحدة لا تكفي»، ويشجع الأمهات والزوجات على تحضير باقة من الأطعمة التي يذهب الجزء الأكبر منها إلى سلة المهملات.
وما يؤسف حقاً هو تحول الوسطية والاعتدال في الشهر المبارك الذي من المفترض أن يكون مدرسة لتهذيب النفس، وفرصة لتدريبها على التحمل والصبر، إلى تبذير، وإسراف، وبذخ، وبطر، وتفاخر في أذهان الناس الذين يعتقدون أن المائدة البسيطة لن تشبعهم مطلقا ولن تكفي ضيفوهم.
حيث يرى البعض أن الحفاظ على الصحة الجيدة يكمن في تناول كميات كبيرة من السوائل، والمواد الدسمة الغنية بالدهون والسكريات، وهذا بلا شك اعتقاد خاطئ، لأن تلك العادات التي يمارسها معظمنا تصيبنا بالخمول والتخمة التي تجبرنا على قضاء الوقت بالنوم بدلا من ممارسة الرياضة، كما تسبب اضطرابات معوية، وزيادة في الوزن.
ريما عبدالفتاح



