حقاً رمضان شهر الخير، وحقاً عَبَقُه ينتشر في النفوس فيملؤها خيراً وجوداً وبذلاً، وما زال المسلمون فيه يقتدون بنبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم - الذي كان «أجود من الريح المرسلة»، وهذه الخيرية ولا شك محمودة مطلوبة، ولكنْ.. تتراءى أمام عينيك صورٌ وخيالات متناقضة: الخيرات تترى أمام ناظرينا في أماكن، وأماكنُ أخرى تشكو الفاقة والعَوز!..

مسلمٌ هنا لا يجد مَنْ يأكل طعامه، وآخرُ هناك لا يجد ما يسدُّ به حاجته! تسابقٌ محمومٌ لأداء العمرة كل عام، والمسلمون في فلسطين لا يجدون السند الذي يضمنون به الاستمرار في صمودهم! أموالٌ تصرف هنا وهناك في مجالات الخير، ولكن مبدأ التكافل الإسلامي الحقيقيّ غائب! فلم يفكر أحد في توجيه هذه الأموال لتشغيل الشباب في مشروعاتٍ صغيرةً كانت أم كبيرة، ولم يخطر ببالِ المحسنين أن يقدموا هذه الخيرية لإعفاف المسلمين والمسلمات، ولم تكن هذه الخيرية الدافقة وسيلةً لإصلاح أي شيء في المجتمع من الشوارع إلى المنشآت إلى المساهمة في حلّ أزمات كثيرة! صورٌ وخيالاتٌ متناقضةٌ متعارضة..

تبقى جزءاً من مجتمعٍ ألف التناقض والتعارض.. وذاك هو المجتمع المسلم اليوم. لستُ أبداً ضد فعل الخير، ولا يمكن أن أفكِّر أبداً في ثني المسلمين عن الذهاب للعمرة أو مد موائد الإفطار.. ولكنها فضائلُ وأولويات.. وسباقٌ في كسب الأجر، والأجر -والله- في حاجةِ المسلمين أكبر وأعظم، وليس هذا كلام أدَّعيه، بل هو ما تأسس عليه الإسلام، يقول ابن القيم رحمه الله: «الشجاعُ الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفُه في الصف ساعة، وجهادُه أعداء الله، أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع، والعالِمُ الذي قد عرف السُّنَّة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر: مخالطُته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح».

وكذا المؤمنُ الذي يودُّ أداء العمرة كل عام: إعطاء قيمتها إلى من يحتاجها من المسلمين خيرٌ له وأعظم أجراً، وأيضاً المحسنُ الذي يريد إقامة ولائم إفطارٍ للصائمين: تقديمُ هذه الأموال للجائعين والمعوزين من المسلمين أولى وأهم. هكذا هو ديننا، نصرة المؤمنين ومساعدتهم فرض، وأداء العمرة والتقرب إلى الله سُنَّة، ولا يمكن بحالٍ أن يساوي أجرُ الفرض أجرَ السُّنَّة. «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَنْ سواهم» رواه البخاري..

حديثٌ قاله نبينا -صلى الله عليه وسلم- منذ أمدٍ بعيد.. ولم يفقهه المسلمون اليوم بعدُ.. وأظن أنّ الأوان قد آنَ كي نفهمه إيماناً وتطبيقاً وممارسة، فيطبقه المحسنون الخيّرون بشكلٍ جماعيٍّ لا فرديٍ فقط، بتكوين الجمعيات الفاعلة في مجالات المجتمع المختلفة، جمعيات تعالج مشاكل البطالة، والزواج، وسوء التنظيم، والازدحامات، وتلف الشوارع والمنشآت، و في قائمةٍ طويلةٍ طويلةٍ. أمنيةٌ أتمنى أن يكون لها «عُمَر».. وأملٌ يبحث عن «صلاح».. وتطلُّعٌ ينتظر قلباً يفهم دينه فهماً صحيحاً كاملاً.

كمال المصري