منذ 10 سنوات، كان المشهد اللافت للنظر في ميدان الطرف الأغرّ في لندن أسراب الحمام التي كان يعج بها المكان. وكان أبرز معالم الميدان عمود نيلسون وأربعة أسود من المعدن ونافورتين، وأسراب من الحمام التي تحيط المكان بشكل قد يضل معه الأطفال عن أهلهم.

وتقول صحيفة «تايمز» البريطانية في تقرير لها إنه بعد عملية إعادة تطوير الميدان، تحول إلى متاهة أخرى. ولكن هذه المرة مقصودة، ذلك أنه تم تصميم جزء من الميدان بشكل متاهة صغيرة، ولكن من دون وجود الحمام الكثيف، فمن الصعب القول إن المتاهة المقامة في ميدان الطرف الأغرّ يمكن أن تنافس نظيرتها في لونغ ليلت بمدينة وايتشاير، والتي تحتوي على طريق بطول ميلين تتخلله صفوف من 16 ألف شجرة.

تصل مساحة المتاهة في ميدان الطرف الأغر إلى 540 ياردة مربعة، ورغم وجود لافتة في مدخل المتاهة تقول: «افقد مسارك في ويست إند»، فلا يستغرق الوقت سوى دقيقتين فقط لاجتياز المتاهة ذات الثلاثة أو أربعة طرق مغلقة النهاية. ولم يمنع ذلك الزائرين من التدفق على المكان. فما ان تم افتتاح الميدان للزيارة أخيرا، حتى دلف إليه 2000 زائر.

وأهم ما يميز المتاهة أن كل قسم منها يحتوي على إشارة تحمل اسم شارع مشهور في منطقة ويست إند، ولوحة زرقاء عليها معلومات تاريخية عن الشارع. وتعني كلمة تاريخ على الأغلب أحداثا ثقافية جرت خلال عصر الأجداد. فيمكنك أن تكتشف، على سبيل المثال، أين ولماذا قام موريس ميكلوايت بتغيير اسمه إلى مايكل كاين، أو في أي شارع أقامت فرقة البيتلز آخر حفلاتها.

وتعد متاهة ميدان الطرف الأغرّ والتي قامت بإنشائها مؤسسة شراكة ويست إند العاملة في مجال الترويج المسرح والعروض الترويجية التابعة له، دليلا على أن الميدان مكان عام مختلف تماما عما كان عليه عندما كان موطنا لأسراب الحمام التي تعد الأكبر حجما في العالم.

وكانت المتعة الأساسية لزوار الميدان في الماضي هي إطعام هذا الحمام، الذي كان يتحرك بحرية. وهناك شخصية مشهورة وهي «بيرني راينر» الذي كان يدير متجرا لبيع عبوات صغيرة من الذرة، يشتريها السائحون بأسعار مرتفعة، لتغذية هذا الحمام السمين. فقد كان الحمام يتغذى بشكل جيد، لدرجة أنه كان يتكاثر عدة مرات في العام. وتكلّفت عمليات إصلاح التلف الذي لحق بعمود نيلسن بسبب فضلات الحمام 140 ألف استرليني.

ولكن عندما تم انتخاب «كين ليفينغستون» عمدة للندن في عام 2000، كان يستعد لإنفاق استثمارات بقيمة 25 مليون استرليني لتحويل أشهر ميدان في العاصمة البريطانية إلى وجهة أكثر جاذبية لحشود الزائرين، حيث تم إغلاق الجانب الشمالي من الميدان أمام حركة المرور وتخصيصه للمشاة، مع إضافة مقهى ومرحاض عام. وتضمنت خطة التطوير إعلان الحرب على 4 آلاف من طيور الحمام الموجودة بالمكان.

وأقرّت الجمعية العامة للندن الكبرى لائحة بحظر تغذية الحمام، وإطلاق صقور لإرهاب الحمام وإبعاده عن المكان، وقام أعضاء الجمعية بحملات دورية لجمع حبات الذرة من المكان أو أي طعام آخر وتنظيف الرصيف الجديد للميدان.

وقد أثارت هذه الحملة غضب عشاق الطيور، خاصة «بيرني راينر»، الذي رفع دعوى قضائية أمام المحكمة العليا لحماية تجارته. وظهرت جماعة ضغط تسمى «انقذوا حمام ميدان الطرف الأغر»، حيث اكتشفت أن هناك ركنا في الميدان لم تشمله اللائحة، لأنه خاضع لسلطة مجلس مدينة ويستمنسنتر، ويقوم أعضاؤها بتوصيل طعام الحمام صباح كل يوم.

ولكن في نهاية المطاف، تمكن عمدة لندن من تنفيذ خطته، ودخل ميدان الطرف الأغرّ عهدا جديدا، خاليا من الحمام، يستطيع الزائرون فيه السير والجلوس والأكل والاستمتاع برؤية أطفالهم يلعبون، دون التعرض لغارات الحمام.

هشام فتحي