في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية. كانت الروح الأكاديمية تلازمه وهو يمارس عمله كراهب في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في إسبانيا. تميز بذكائه، وأناقته، ونظافته، ولياقته وموهبته وكرمه وصدقه.

هكذا كان يصفه أصدقاؤه وزملاؤه. كانت رغبته في دراسة الأدب العربي والفكر الإسلامي شعلة لا تنطفئ في أعماقه، تدفعه إلى خارج أسوار الكنيسة نحو أروقة الجامعة ومكتباتها. وفي جامعة زراغوزدا، «سرقسطة»، قابل أستاذ اللغة العربية آنذاك جوليان ريبريرا ياتاراغو، وقرر أن يكتب أطروحته عن الغزالي (1058 ـ 1111) في مدريد عام 1896 حيث ناقشها أمام الأساتذة فرانشيسكو زيدين ومارتشيلو مينينديس يابيلايو، وهؤلاء الأساتذة الثلاثة هم الذين وجهوا دراسته وأبحاثه فيما بعد. ومن ثم قام بلاثيوس بتطوير دراسته عن الغزالي، ونشر كتاباً عنه في عام 1901. ومن ثم كتب كتاباً عن محيي الدين بن عربي، رائد الصوفية في الإسلام. وكانت أبحاثه في تلك الفترة تصب في الجهود الأوروبية التي كانت تسعى إلى فهم الإسلام وعوالمه الروحية الداخلية. وساعده انسحاب أستاذ اللغة العربية من كرسي اللغة العربية في جامعة مدريد أن يتبوأ هذا المنصب بجدارة وحفاوة. وسرعان ما ترقى بلاثيوس في أبحاثه حتى أصبح من الأساتذة المبرزين في ميدانه، فقد دعيّ إلى مؤتمر عالمي في الجزائر عام 1905 وكوبنهاغن في 1908، حول الإسلام، مع نخبة من الأكاديميين والمستشرقين.

فلاسفة الأندلس ... تركز عمله الأكاديمي على دراسة اللاهوت المسيحي والإسلامي في القرون الوسطى، مع التركيز على إسبانيا بالدرجة الأولى. فأصبح نوعاً من المثقف التاريخي، المختص بالمفكرين العرب: الغزالي، ابن عربي، ابن رشد، ابن حزم، ابن مسرّه وكلهم ينحدرون من الأندلس فيما عدا الغزالي. وإلى جانب، هؤلاء درس المفكرين الغربيين أمثال: رامون لول، وتوما الأكويني، ودانتي الييغري وبليس باسكال وغيرهم. وبدأ بنشر أبحاثه ومقالاته التي تُعد بالآلاف في مجلة «الأندلس»، المتخصصة في الدراسات الأكاديمية منذ عام 1933. وسرعان ما تحولت هذه المجلة إلى منبر التف حوله المستشرقون والأكاديميون الشباب، ووجدوا في أستاذهم بلاثيوس الأب الروحي، مما ساهم في ظهور جيل جديد من المستشرقين والمهتمين باللغة العربية والفكر الإسلامي أمثال ايميليو غارسيا غوميز.

لكن نشوب الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1936 أدى إلى توقف أبحاثه، نتيجة إلقاء القبض عليه في سان ساباستيان في الباسك عندما كان يزور أحد أقربائه. وقد قام الفاشيون المتطرفون آنذاك بتصفية نحو 4 آلاف راهب. ولدى خروجه من السجن، بدأ يواصل أبحاثه عن المخطوطات العربية. وتمكن من العودة إلى مدريد، والانكباب على التأليف بعد انتهاء الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من كونه راهباً ومتديناً إلا أن مؤلفاته تميزت بروحها الحيادية والأكاديمية الصرفة. وحازت آراؤه حول التصوف في الإسلام على استحسان جميع المستشرقين الإسبان. واشترك مع شيخ المستشرقين، لوي ماسينيون، بالعمل سوية على هذا الموضوع. ولموضوعيته، تقبل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية كل ما جاء به من أفكاره حول الإسلام.

الكوميديا الإلهية والإسلام

اشتهر ببحوثه عن الغزالي وابن مسرة ومدرسته والأخرويات الإسلامية في الكوميديا الإلهية، وغيرها من الأبحاث التي كان لها الصدى الكبير في الأوساط المثقفة آنذاك. وناقش باستفاضة التأثيرات الإسلامية على توماس الأكويني (1225 ـ 1274)، وتأثيرات ابن رشد عليه، وربط علاقتهما بالفلسفة اليونانية، مؤكداً على عقلانية ابن رشد في جميع تفسيراته الدينية.

ولم يتقبل كثير من أنصار توماس الأكوني رأيه في هذا المجال. وأوضح كيف استفاد دانتي الييغري (1265 ـ 1321) في مؤلفه الأساسي الكوميديا الإلهية بالإسراء والمعراج للرسول محمد(ص) من خلال ذكره للسموات السبع. وناقش ذلك في رسالة الدكتوراه تحت عنوان «الأخرويات الإسلامية في الكوميديا الإلهية» عام (1919). وأثارت هذه الرسالة تساؤلات حول مدى اطلاع دانتي على مؤلفات ابن عربي والمعري في مؤلفه الأساسي «رسالة الغفران».

ولم يكن من السهل أن يأتي مستشرق وينسف عملاً ملحمياً مثل «الكوميديا الإلهية» التي يعتبرها الغرب جزءاً من ذاكرته ألأدبية والثقافية. وامتلك الجرأة أن يجهر بأفكاره علانية دون مواربة حتى أثناء تنصيبه أستاذاً من قبل ملكة إسبانيا. وقد اكتسب كتابه هذا أهميته لأنه قام بإزالة القداسة عن هذا العمل الذي ينظر إليه الغربيون باعتباره تراثه الذي لا ينضب. فكيف يمكن أن يكون هذا العمل الملحمي والأسطوري نسخة لاتينية من الأعمال العربية والإسلامية.

بل أثبت بلاثيوس أن هناك تشابهاً في تسلسل الأحداث، والمواقف، وطبقات السرد. إنها نوع من إعادة الصياغة لما كان مكتوباً أو جاهزاً فيما سبق. ولم يكتفي بأطروحته هذه بل لحقها بكتاب آخر، لم ينشر إلا بعد وفاته، وهو «قصة المعراج والكوميديا الإلهية» حيث يفصل تلك التشابهات والمتوازيات السردية. ويورد في الكتاب مقتطفات من قصة الإسراء والمعراج ورسالة الغفران، ويترجمها، ويقارنها بما جاء في «الكوميديا الإلهية» بما لا يقبل الشك في عملية النسخ أو ما يطلق عليه حديثاً «التناص». ولا يمكن أن يتقبل الكثيرون هذه الأفكار حتى لو جاءت بالبراهين لأنها بكل بساطة تشكل ركيزة أساسية في الثقافة المسيحية الأوروبية في العصور الوسطى، ومن بعدها من العصور التالية.

وكانت لآرائه صدى سلبي من وجهة النظر الغربية بين أوساط الطلبة والمستشرقين ليس في إسبانيا بل في عموم أوروبا. وقد أثبت عن طريق البحث العلمي الموضوعي بأن هذه الكوميديا نسخت ولم تتأثر بالمصادر الإسلامية فحسب. وهذا النسخ من شأنه أن ينسف هذا العمل العملاق الذي تشدق به الغرب زمناً طويلاً. وأخطر من ذلك، أن بلاثيوس لم يتوقف عن إنشاء المؤسسات العلمية والثقافية الاستشراقية في إسبانيا. نذكر من بينها، مدرستان للدراسات العربية، إحداهما في مدريد، والأخرى في غرناطة، تقوم بنشر الكتب العربية وترجماتها. علاوة على إصدار مجلتي «الأندلس» و«القنطرة».

وامتدت أبحاثه إلى عدد من الشعراء والكتاب والفلاسفة أمثال ما قام به من كتابة بيبلوغرافيا للشاعر الزاهد ابن مسرة(883 ـ 931). وناقش تأثير الثقافة العربية على الثقافة الإسبانية في جزيرة ايبريا. كما درس المتصوفة المسلمين الأوائل في الأندلس، من الباطنيين والمعتزلة والشيعة وغيرهم. فقد عالج المؤلف تصوراته حول هذا الفكر من خلال التركيز على دراسته لابن مسرَّة ولمدرسته الفكرية بالأندلس.

ونشر بلاثيوس أيضاً خمسة مجلدات حول ابن حزم (994 ـ 1064) كما درس أيضاً ابن عربي(1165 ـ 1240)، متتبعاً رحلته الروحية وتفسيراته للمعتقدات الإسلامية، وتأثر الكنيسة الشرقية والإسبان به. وتعامل بلاثيوس مع الإسلام باعتباره ثقافة روحية واسعة في إنتاج الفلسفة والتصوف، وعدم اقتصارها على العبادة فقط كما صورها بعض المستشرقين. واختار التصوف كنقطة أساسية في أبحاثه، وظل يبحث فيه إلى أواخر حياته، منا لم يتوقف عن تأليف الكتب فيه.

وقام بنشر مصادره وترجمه إلى اللغة الإسبانية حتى يطلع عليها المستشرقون والأكاديميون في فترة كان النقص شديداً في هذا الميدان، نتيجة لأفكار المسبقة عن الإسلام وتقاليده. وأتاح له دراسة التصوف أن يطلع على الثقافة الإسلامية والحضارة العربية بكل تفاصيلها، تاركاً كل التفسيرات الجاهزة التي تسللت إلى الثقافة الإسبانية عن طريق بعض المفسرين المغرضين. لذا كان يعتد بتأويلاته، ويناقشها مع طلبته، ويتدارسها مع المستشرقين في الوسط الأكاديمي.

من آرائه

«ينبع الفكر الإسلامي من أصالته في التأثير في حضارة الغرب، فلم تشهد أمة ميلاد عمالقة مثل ابن رشد وابن حزم وابن مسره ومحيي الدين بن عربي»

قالوا عنه

«أوفى ما كتبه ميغيل آسين بالاثيوس عن ابن عربي، هذا الصوفي العظيم.»

عبدالرحمن بدوي

«أنصف الفكر الإسلامي في أصالة تأثيره على الفكر الأوروبي. كما كان هذا العمل أي ـ تأثير الأصول الإسلامية في الكوميديا الإلهية ـ موضوع الخطاب الذي ألقاه في المجمع اللغوي في مدريد عند انضمامه إليه عام1919، ونشره في العام نفسه، وأعيد طبعه سنة 1943، وتُرجم، تقديراً لأهميته وما أثير حوله من جدل، إلى لغات أوروبية عدة. أراد أن يقول أن الكوميديا الإلهية فكرة إسلامية بلغة لاتينية.

وقد كشف في سياق أبحاثه عن بعض الجوانب المهمة في العلاقة بين الفكر الإسلامي والأوروبي، وكان من ذلك بحثه الذي كشف فيه سرقة الراهب الفرنسيسكاني تورميد (1362-1423م) لرسائل من «إخوان الصفا» ونسبها إلى نفسه. كما قام بإنصاف العرب المسلمين من خلال عنايته بدراسة الأسماء العربية للبلاد الإسبانية، ومحاولته تعرّف نظائرها الحالية في إسبانيا». نايف شقير

في سطور

ميغيل آسين بلاثيوس (1871ـ 1944). ولد في مدينة سرقسطة، في يوليو 5، في عائلة متواضعة تعمل في التجارة. كانوا مع أخاه الأكبر لويس وأخته الصغرى دولوريس أطفالاً عندما توفي والدهم، فأعالتهم أمهم. التحق بكلية الآداب بجامعتها، والمعهد المجمعي، فتخرج قسيساً إلا أنه لم يكتف بهذا المنصب. وقام بأول قداس له في كنيسة سان كاينتو في مسقط رأسه عام 1895.

درس اللغة العربية على يد المستشرق ريبريرا، ثم التحق بجامعة مدريد للحصول على درجة الدكتوراه عن الغزالي وفلسفته. تولى كرسي اللغة العربية في جامعة مدريد. شارك معه في إصدار مجلة الثقافة الإسبانية 1906-1909 واختير عضواً في الأكاديمية الملكية للعلوم سنة 1912. ثم عيّن عضواً في الأكاديمية الإسبانية عام 1919. وقد تأسس معهد باسم مييغيل آسين بالاثيوس في مدريد بنشر مجلة «القنطرة» وهي تعنى بنشر الدراسات العربية والإسلامية، صدر منها المجلد الأول منها في مدريد عام 1980. نشرت قبل وفاته (109) بحثاً و(24) بحثاً نُشرت بعد وفاته.

مؤلفات

الغزالي.. العقيدة والأخلاق 1901

ابن مسرة.. أصول الفلسفة

الإسبانية الإسلامية 1916

المنطق 1916

الأخرويات الإسلامية

في الكوميديا الإلهية 1931

دانتي والإسلام 1927

ابن حزم في قرطبة

وتاريخ نقد الأفكار الدينية 1927 ـ 1932

ترجمة الغزالي 1929

الإسلام والمسيحية 1031

الأندلس 1933

روحانية الغزالي 1934 ـ 1941

اضاءة

من المعروف أن الفيلسوف العربي ابن رشد قد تعرض لحملات تشهير في حياته وما بعدها، سواء من الباحثين المسلمين أو المسيحيين إلى أن قدم بلاثيوس دراسته القيمة عن هذا المفكر العربي وفلسفته، ليثبت للغرب وللعالم العربي الإسلامي أن ابن رشد لم يكن يتصور بأن الدين يتعارض مع الفلسفة، وانتهى المستشرق الإسباني إلى أنه براء من هذه النظرية الافتراضية، لأنه ببساطة حاول التوفيق بين الدين والعقل، وهذه النظرة الجديدة أزالت الكثير من اللبس والخلط والتشويه.

المعراج النبوي ورسالة الغفران وابن عربي مصدر إلهام الكوميديا الإلهية

شاكر نوري