«على غير عادته، يصبح خلال فترة الصيام عصبياً سريع الانفعال، يثور لأتفه الأسباب، وينفجر في وجهي ووجوه أبنائنا غضباً، من دون مبررات.
وكثيراً ما ينهال عليهم بالضرب، إن علا صوتهم فيما هم يمرحون مرحهم الطفولي، ويدس أنفه في كل شأن من شؤون البيت، بما في ذلك المطبخ الذي «يستعمره» قبيل الإفطار بنحو ساعة، لمساعدتي في إعداد الطعام، ولا يقتنع أبداً بتوسلاتي أن يترك لي الأمر، حتى يريح ويستريح.. هو في العادة زوج هادئ الطباع، قلما يغضب، ويميل إلى الحوار والتفاهم، لكنه في نهار رمضان يتحول إلى كتلة من النار دائمة الاشتعال... يغضب لو كان ملح الطعام قليلاً، وإن كان كثيراً... يغضب إن طلب تحضير وجبة ما، فلم ألب على الفور.. يغضب لو طلب قميصاً فوجده غير مغسول.. يغضب لو كان صوت التلفزيون مرتفعاً.. يغضب لو سألته زيادةً في مصروف البيت، لشراء مستلزمات الشهر الكريم.. يغضب لو كنا ذاهبين لتناول الإفطار مع أحد المعارف أو الأقارب.. ويغضب لو دعونا أحداً لتناول الإفطار معنا.. يغضب إلى ما لا نهاية، ومهما كانت الأسباب تافهة لا تستحق، يكون غضبه عارماً مزلزلاً».
بهذه العبارات عبرت «س- ي» عن حجم المعاناة التي تعانيها مع زوجها في نهار رمضان، فالزوج الهادئ دمث الأخلاق، الذي تحسدها صديقاتها عليه، يتحول في رمضان، إلى شخص غريب الأطوار، يحاول أقرب الناس إليه أن يتجنبوه، اتقاء غضبه وثورته. ولا تبدو هذه الحالة حالةً فرديةً، حيث يؤكد الموجهون الأسريون، وعلماء الاجتماع والأطباء أيضاً، أن نسبة كبيرة من الأزواج والزوجات، ينسون أن الشهر الكريم، هو شهر المودة والرحمة والتسامح، فتحترق بيوتهم بنيران الغضب، ويسقطون فريسةً للانفعالات التي تهدد استقرار الأسرة، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى الطلاق.
مظاهر مرفوضة... يقول محمد الشمسي مدير إدارة الاتصال المؤسسي في الهيئة الاتحادية للكهرباء: من المظاهر المرفوضة أن يربط البعض شهر الصيام بالعصبية والغضب السريع، على الرغم من كونه شهر التسامح والمودة والرحمة، ففيه تصفو النفوس ويزداد التقارب الأسري والعائلي، وتقوى وشائج الحب. وفي الواقع أن ميل البعض إلى العصبية والغضب في رمضان، والسعي لتفريغ شحنات الغضب في أقرب المقربين كالزوجة أو الأبناء، يعود على الأرجح إلى أنهم اعتادوا على بعض العادات السيئة، كالتدخين والإفراط في تناول المنبهات، وبدلاً من أن ينتهزوا فرصة الشهر الكريم للتخلص من هذه العادات، يعدون ساعات الصيام حتى يبدؤوا بعد الإفطار «مارثون» التدخين واحتساء الشاي والقهوة.
وتقول دينا حسبو «مديرة مبيعات في إحدى شركات الشحن»: إن شهر رمضان المبارك يجب أن يكون فرصة لإعادة الوئام إلى الأسرة، وليس لإشعال الحروب من دون أسباب منطقية، وعلى الزوجين أن يتحليا بروح التسامح التي تغمر الشهر الكريم، فالزوج الذي يغضب لأن زوجته لم تعد له ما يطلبه على مائدة الإفطار، يجب أن يعي أيضاً أنها مثله صائمة.
وقد تكون امرأة عاملة ملتزمة بواجبات الدوام وتشعر بأن الوقت يحاصرها وأن عليها مسؤوليات قد تكون أكثر جسامة من مسؤولياته، وعلى الزوجة من جانبها أن تهتم بتجنب كل التصرفات التي تعلم أنها قد تثير غضب شريك حياتها، كما أن عليهما أن يتحليا بالصبر والقدرة على امتصاص غضب بعضهما البعض، وتخطي الخلافات الصغيرة، وأن يعلما أن معظم النار من مستصغر الشرر.
دراسات علمية
ويؤكد الدكتور أحمد يوسف، استشاري الطب النفسي، المدير الطبي لمركز أبوظبي للتأهيل أنه لا توجد دراسات علمية تشير إلى ارتفاع معدل الخلافات الزوجية خلال رمضان، وهناك دراسات تذهب إلى انخفاض المعدل خلال الشهر الفضيل، والحقيقة أن معظم الأشخاص الذين يعانون من الغضب السريع هم من مدمني التبغ الذين يعانون من الأعراض الانسحابية أثناء فترة الامتناع عن السجائر، وتتضمن هذه الأعراض: فقدان القدرة على التركيز، والتوتر الانفعالي، والشعور بالصداع، كما يعاني البعض من تنميل في الأطراف، وعدم التوافق الحركي، ومن القلق والاكتئاب المؤقت.
ويضيف: على الصائمين الذين سقطوا بين براثن العادات الصحية الخاطئة، أن ينتهزوا فرصة الشهر الكريم، في البدء في التخلص من هذه العادات، وعليهم لكي يقللوا من حدة الغضب التي تنتابهم خاصةً في الساعات الأخيرة قبيل الإفطار، إلى كتاب الله وقراءة القرآن الكريم، فهذا الكتاب السماوي العظيم، كفيل بأن يساعدهم على استعادة الهدوء وسكينة النفس، وهذا أمر تؤكده الدراسات السيكولوجية المتخصصة.
ويضيف: وهناك دراسة علمية أجريت في جامعة عين شمس بالقاهرة، أظهرت أن الأزواج الذين يواظبون على صلاة الجماعة في المسجد، أقل ميلاً إلى الغضب، قياساً بغير المصلين أو الذين يكتفون بالصلاة في البيت، زمن هذا نستخلص أن الالتزام الديني خلال رمضان، كفيل بأن يجعل الشهر الكريم فرصة لاستعادة الوئام والسعادة، وللتقريب بين الأزواج المتنافرين، وليس مبرراً لإشعال البيوت.
امتصاص المنغصات
ويقول أيمن هلال - موظف متزوج-: لا شك أن الاتزان يساعد على امتصاص أية منغصات زوجية في محيط الأسرة، في إطار من الموضوعية وعدم التسرع في الحكم على الأشياء، ولكن زوجتي تستفزني بطريقة لا أستطيع تحملها، بدءاً من عدم احترامها لاحتياجاتي من الإفطار أو السحور، أو استقبال أقاربنا وزيارتهم، وكل ذلك لأنها تقضي معظم وقتها بالنوم، وبالتالي تتأخر بتحضير الطعام الذي يصبح جاهزا بعد مرور ساعة على الأذان، كما أنها تصبح كسولة وتتذمر من زيارة أي ضيف أو صديق مقرب لنا.
وتضع مبررات غير منطقية عندما أقترح عليها أن نستضيف أحد معارفنا على مائدة إفطارنا. وأكد أيمن أنه يبتعد عن تفريغ غضبه في وجه زوجته، حتى لا يضيع أجر صيامه، وقال: لا أحب الصراخ، وإثارة المشكلات، فهذا نصيبي والرضا به مطلوب. أما بهاء أحمد ؟موظف متزوج- فقال: لا تكف زوجتي عن الاتصال بي طيلة النهار لتسألني عن الطبق الذي أفضل تناوله عندما يحين موعد الإفطار، وهذا يسبب لي إحراجا كبيرا أمام زملائي بالعمل، وعلى الرغم من حبي لها واحترامي لمشاعرها، إلا أنني أفقد السيطرة أحيانا على أعصابي وتخرج من فمي ألفاظا قاسية تزعجها، ولكنني أقوم بمصالحتها عند عودتي إلى المنزل.
الزوجات وأبناء
«إهمال زوجي لنفسه، ولمظهره، ولرائحته، خاصة في شهر رمضان يقتلني..»، هكذا عبرت بتول غانم ـ متزوجة - عن معاناتها مع زوجها خلال الشهر الكريم وقالت: لا يغسل زوجي أسنانه بعد الإفطار، وبالتالي تبقى رائحة فمه غير مقبولة، وقد انتقدته مرارا ولكن لا حياة لمن تنادي، ولم أستفد غير وجع الرأس بسبب عناده.
وقالت أم خديجة - أم لسبعة أبناء-: جلوس زوجي لساعات طويلة أمام شاشة التلفاز لمتابعة البرامج والمسلسلات يثير غضبي كثيرا، لأنه ما إن يجلس أمام شاشة التلفاز حتى يرفض القيام بأي شيء مثل: اصطحابي إلى الأسواق لشراء ما يلزمني ويلزم الأولاد للعيد، كما يرفض الذهاب معي إلى الحديقة القريبة من منزلنا لممارسة الرياضة، وغالبا ما يحرجني مع أقاربي حيث يضطرني لخلق أعذار كاذبة لعدم استضافتهم في منزلنا.
أما أم سارة ـ موظفة متزوجة- فقالت: أعود من عملي ظهرا وأكون في أمس الحاجة إلى الراحة والنوم لساعة على الأقل، ولكن ما إن أصل إلى المنزل حتى تبدأ اتصالات زوجي وطلباته المعقدة والصعبة بالنسبة لطبق الإفطار الرئيسي، وأصناف الحلويات، وفي حال أردت الاسترخاء قليلا فهو لا يكف عن الاتصال كل عشر دقائق حتى يطمئن أن مائدة الإفطار بخير!، وعندما أقترح عليه ترك عملي فإنه يتهمني بالأنانية وعدم الوقوف إلى جانبه للتغلب على ظروف الحياة.
وقالت سحر عيسى - طالبة - عن طبيعة الأجواء بين والديها في رمضان: منزلنا خالٍ من المشكلات والحمد لله، فوالدي لا يتذمر مطلقا ويساعد والدتي في تحضير طعام الإفطار، كما أنهما يحثان بعضهما على قراءة القرآن والصلاة بدلاً من مشاهدة التلفاز والمسلسلات، ولكن والدتي تتضايق أحيانا من كثرة ضيوف والدي في عطلة نهاية الأسبوع، حيث تفضل الراحة والاسترخاء.
وقال محمد أبوسفاقة: أجواء منزلنا مرحة للغاية في رمضان، على الرغم من بعض المشكلات البسيطة التي تحدث أحيانا بسبب تأخر والدتي في تحضير مائدة الإفطار، وكسل وخمول والدي بعد الإفطار، حيث يفضل الجلوس أمام شاشة التلفاز أو النوم بينما تفضل والدتي الخروج إما للتسوق أو لممارسة الرياضة.
نصائح
يقدم خليفة المحرزي مستشار التوجيه الأسري في محاكم دبي مجموعة من النصائح التي تساهم في تهدئة الأجواء بين الزوجين خلال رمضان ومن أبرزها: مراجعة الزوجين لعلاقتهما، وتقويمهما والاستفادة من ايجابيتها، ومناقشة سلبياتها، وأن يكون للزوجين جلسة إيمانية أو يهتما بقيام الليل وتزويد العائلة ببرنامج روحاني إيماني كصلاة التراويح أو جلسة بعد العصر لتفسير القرآن.
كما يمكن التركيز على صلة الرحم وتقوية العلاقات الاجتماعية، والاستفادة من اجتماع العائلة كلها على الإفطار ثلاثين مرة في الشهر مما يجعل للزوجين فرصة استثمار لهذا الحدث لتقوية العلاقة فيما بينهما، وبين الأبناء.
إحصائية
خليفة المحرزي: انخفاض معدلات الطلاق في رمضان
قال خليفة المحرزي مستشار التوجيه الأسري في محاكم دبي: إن معدلات الطلاق تشهد انخفاضاً ملحوظاً خلال شهر رمضان المبارك، وأن الخلافات الزوجية التي تندلع في بعض البيوت، خلال الشهر الكريم، لا ترجع إلى الصيام، وإنما إلى عدم قدرة البعض على تحمل الابتعاد عن التدخين واحتساء المنبهات.
وأضاف: من واقع خبرتي الطويلة في العمل مستشاراً للتوجيه الأسري في محاكم دبي، أؤكد أنني لم أحرر وثيقة طلاق خلال شهر رمضان، حيث إن الأزواج يكونون أكثر تقبلا للنصيحة خلال شهر رمضان، لأنه ما زالت مفاهيم القيم والتعاليم الدينية هي التي تحكم وتسير تصرفات الناس وشئون حياتهم.
وأشار إلى أنه على الرغم من أن نسبة الطلاق في الدولة مرتفعة، لكن من واقع سجلات تدوين حالات الزواج والطلاق خلال شهر رمضان من كل عام يتبين أن نسبة الطلاق في هذا الشهر تكاد تكون معدومة تماما، موضحاً أن الأمر لا ينفي وجود بعض الخلافات التي يتورط فيها بعض الأزواج الذين لا يتفهمون طبيعة الشهر الكريم ولا يتحلون بقيمه الروحية والمعنوية.
سلوك
التغاضي عن الأخطاء يقلل الخلافات
لا يجد الاستقرار مكانا بين بعض الأزواج في رمضان، حيث تبدأ المنغصات في محيط الأسرة، وتستمر في إطار الانفعال السلبي والتسرع في الحكم على الأشياء، وإصدار تصرفات انفعالية؛ لذلك نجد معظم الأزواج لا يستطيعون أن يكظمون الغيظ ويتحاملون على أنفسهم إذا ارتكبت الزوجات ما يستوجب مثل هذا السلوك، والشيء نفسه تفعله الزوجات أيضا.
وتصبح أعصاب بعض الأزواج والزوجات في الشهر الكريم تحت موقد النار، وهذا يجعل حياتهم كلها بصفة عامة تسير في حركة مضطربة بدون استقرار نفسي، فضلا عن تراكم المشكلات دون حل، هذا ما أوضحه عماد محمد ؟موظف متزوج-، وقال: أسعى إلى إرضاء زوجتي دائما، ولكن في الشهر الفضيل لا أدري ماذا يحدث لي، حيث أصبح شخصا انفعاليا لا يجيد التفاهم بسبب قلة اهتمام زوجتي بنفسها، وأنوثتها، وبمائدة الإفطار.
فهي تنام لساعات طويلة في النهار وتستيقظ غالبا قبل موعد الإفطار بساعة ونصف، حيث تقوم بإعداد بعض المقبلات وتطلب مني أن أسكت جوعي بها، لأنها تتبع حمية غذائية، وهذا يثير غضبي كثيرا. وعن كيفية معالجته للمشكلة قال عماد: أضطر لتناول طعام الإفطار لوحدي في أحد المطاعم ليومين أو ثلاثة، كما أنني أتعامل معها بجفاء حتى تشعر بتأنيب الضمير.
حقيقة
الصيام ليس مبرراً لسرعة الغضب
لا يتفق الكثيرون على مسؤولية الصيام عن اندلاع الخلافات الزوجية في البيوت بل يؤكدون أنه بريء من هذه التهمة التي تشوه جمالية الأجواء الروحانية التي يضفيها على النفوس. حيث يعتقد علي حسين «مسؤول تأمين» أن الصيام ليس مبرراً لسرعة الغضب، ولا يمكن أن نلصق به تهمة باطلة، على شاكلة أن أداء فريضته قد يدفع إلى الغضب.
فالحكمة الإلهية من الصيام، تكمن في أنه ينقي النفس والروح، ويساهم في جعل المشاعر أكثر حساسية، وما من شك في أن الذين يصابون بالغضب في رمضان، هم من الأشخاص الذين لم يستوعبوا مغزى الشهر الفضيل، فأصبحوا بمنأى عن القيم والفضائل السامية التي يدعو إليها، أو من مدمني التدخين الذين يفقدون عقولهم تحت تأثير حاجتهم إلى التبغ، أو من الأشخاص الذين يقترن رمضان في حياتهم بالسهر حتى ساعات الصباح، ولا يحصلون على القسط المناسب من النوم.
ومن ثم يذهبون إلى أعمالهم ثقيلي الرأس، متعكري المزاج، مما يدفعهم إلى الغضب لأتفه الأسباب، ونظراً لأن هؤلاء لا يستطيعون تفريغ شحناتهم العصبية في زملاء العمل، فإنهم يختزنون الغضب في أعماقهم، وما أن يعودوا إلى بيوتهم حتى ينفجروا في وجه شريكة الحياة، التي لا تجد إلا الصبر والصمت، أو في فلذات الأكباد الذين لا ذنب لهم في أن أباهم مدمن تدخين!
محمد مصطفى موسى وريما عبدالفتاح



