تفاصيل الأحداث الرمضانية التي يحتفظ بها صلاح خميس الحوسني رئيس قسم الأنشطة والرعاية الطلابية والاحتياجات الخاصة بمنطقة الشارقة التعليمية تختلف عما يحتفظ به الآخرون، والسبب أنه استطاع العودة بالذاكرة إلى الفترة التي شهد فيها رمضان وعمره لا يزال 5 سنوات ليس إلا، مؤكداً على أن رمضان في الماضي كان يتميز بالتواصل العائلي وصلة الرحم، بينما تراجعت هذه الظاهرة الإنسانية مع مرور الزمن.

يقول الحوسني: عندما يعود كل منا بذاكرته إلى الوراء لاسترجاع أحداث رمضان الذي مرت عليه سنوات، يلتقط كل منا الجانب الذي يراه مؤثراً من هذا الشهر، وأتصور أن ذاكرتي تربط ما بين هذا الشهر وبين المظاهر الدينية وأداء العبادات والاحتفالات بالعيد والفعاليات الخاصة بهذا الشهر، أيضاً تربط ذاكرتي المسابقات التي تقدمها وسائل الإعلام بهذا الشهر الكريم، كما يرتبط شهر رمضان بالاستعداد لعيد الفطر المبارك وما يصحبه من تجهيزات وفرحة، وغير ذلك من المظاهر التي تستدعيها ذاكرة كل فرد منا إذا ذُكر اسم الشهر الفضيل.

اجتماع يومي

يستطيع الحوسني تذكر أول رمضان مر به عندما كان عمره 5 سنوات، يقول: كانت الأسرة تجتمع على مائدة الإفطار قبل أن يرفع المؤذن أذان المغرب بدقائق، وكان الأعمام وأبناؤهم وجميع أفراد العائلة ذكوراً وإناثاً يجتمعون لتناول وجبة الفطور بشكل منفصل ولكن في نفس البيت، ونجتمع لهذا الغرض بشكل يومي سواء في منزلنا أو منزل عمي، وكنا نبدأ وجبة الإفطار بتناول أنواع خفيفة من الطعام مثل اللبن والتمر والماء، ثم نتوجه إلى المسجد لأداء الصلاة بنفس روح الجماعة التي تميز شهر رمضان عن باقي شهور السنة.

وعلى الرغم من كوني مازلت طفلاً في هذه المرحلة، إلى أن مداركي الصغيرة تفتحت على قيمة الترابط العائلي والاجتماعي، وشهدت في رمضان مظاهر متنوعة لصلة الرحم والتواصل بين الأجيال، فقد شعرت وقتها بقيمة هذا التواصل وأحسست بالامتنان نحو الشهر الكريم الذي تسبب في اكتمال دائرة الأقارب والأهل بهذا الشكل، وأيضاً شعرت بالفخر كوني جزءاً مهماً في هذه (الجَمعة) وربما كنت أيضاً محور الاهتمام كوني أصغر أعضاء الأسرة سناً في هذا الوقت.

أنشطة

تصادف أن كان رمضان في موسم الشتاء كما يؤكد صلاح الحوسني، وهو موسم النشاط في كل الاتجاهات، يشير إلى ذلك قائلاً: كنا نجتمع في فناء منزل عمي نظراً لاعتدال الطقس خلال رمضان الذي يعلق بذاكرتي منذ سنوات بعيدة، وكان المنزل يقع في منطقة القادسية بالشارقة، وأحسنت مع رفاقي وأبناء عمي استغلال الطقس المعتدل في اللعب وإقامة الأنشطة الرمضانية في فناء المنزل.

أيضاً أذكر عندما وصل عمري إلى الثانية عشرة تقريباً، كان إمام مسجد الفريج جزاه الله عنا كل خير يقيم حلقة لتلاوة القرآن الكريم عقب صلاة العصر، وكان من نصيب كل فرد من الحاضرين قراءة جزء محدد من كتاب الله، حيث يساعد الجميع على القراءة الصحيحة، حتى إذا انتهى الشهر الفضيل نكون قد ختمنا كتاب الله بصورة جماعية..

وأذكر أن الحاضرين لم يكونوا من أبناء فئة عمرية محددة، ولكن كانت الأعمار متفاوتة من مرحلة الطفولة إلى الكهولة، وأتصور أن نفع هذه الحلقات القرآنية لم يتوقف فقط عند ثواب القرآن الكريم ولكن ساهمت في تقريب المسافات المعنوية بين الجيران من سكان الفريج، وساعدت على تقوية أواصر الأخوة بينهم.

تكافل

كان رمضان يشهد مظاهر التكافل في أجمل صورها كما تضمنت شهادة صلاح الحوسني، ويضيف: كان هذا الشهر الكريم فرصة لمساعدة المحتاجين ومد يد العون إلى من يحتاجها، وأذكر أن أهالي الفريج كانوا يتعاونون على إقامة خيمة في المسجد تستقبل الجميع لتناول وجبة الإفطار، وكانت هذه الفرصة ليتابع كل جار أخبار جيرانه والوقوف على أوضاعهم والاطمئنان على صحة المريض منهم، وأتصور أن أحياء قليلة لا تزال تحرص على هذه العادة الرمضانية.

وبصفة عامة تراجعت مظاهر كثيرة كانت ترتبط بهذا الشهر إما بسبب الانشغال بالدوام أو بأسباب أخرى، ولكن مهما كانت المعوقات كثيرة يستطيع كل منا تنظيم جدول أعماله لتدبير وقت يسمح له بالاجتماع بأفراد الأسرة على مائدة الإفطار في رمضان.

يذكر الحوسني أن شهر رمضان في الماضي كان يفتح باب ممارسة الهوايات المتنوعة، يقول: كانت النساء على ما أذكر تحرصن على اقتناء كتب الطبخ والوصفات الغذائية وفنون الحلويات وغيرها من اهتمامات حواء المتعارف عليها، بينما كنا نحرص ونحن في سن الطفولة على متابعة برامج الأطفال التي يبثها التلفزيون خلال رمضان أو المذياع في بعض الأحيان، بينما يزداد الوازع الديني لدى كبار السن فكنت ألحظ إقبالهم على صلوات النوافل وقراءة القرآن بانتظام خلال أيام الشهر الكريم، بالإضافة إلى ذلك أذكر حرصي على القراءة خلال شهر رمضان، ولعلها من العادات القليلة التي استمرت معي منذ مرحلة الطفولة إلى وقتنا هذا، كما كنت أحرص على تصفح الجرائد اليومية.

وعن ذكرياته خلال العشر الأواخر يقول: كان الوالد يمنحني الفرصة كاملة لاختيار ما يناسبني من ملابس العيد، فكنت أصطحب صديقي للتفصيل لدى الخياط، وغالباً ما كنا نختار نفس اللون، والمضحك أنه إذا رافقنا أصدقاء آخرون نختار جميعاً نفس اللون!

دورات رمضانية

يذكر الحوسني الفترة التي كان يمارس فيها اللعب مع رفاقه قائلاً: كنا نلتقي في فترة ما بعد صلاة التراويح يجمعنا التقارب في السن والجيرة، وكنا نلعب ألعاباً شعبية اندثرت حالياً وطواها النسيان، وبحكم أن المدرسة تجمع أبناء الفريج الواحد، وبحكم أن عدد التلاميذ في المدرسة لم يكن ضخماً خلال هذه الفترة، فقد كان من السهل أن يكون الأطفال أو الشباب من أبناء الفريج الواحد يعرفون بعضهم البعض بالاسم ويتشاركون الأنشطة الرياضة.

وكنا ننظم دورة رمضانية في كرة القدم، وكان كل فريج يشارك بفريق للمنافسة، وأذكر أن هذه الأيام لم تكون وسائل الاتصال متعددة مثلما هي الآن، فلا متحرك ولا بلاك بيري ولا بليب ولا بريد إلكتروني، فقط التواصل الشخصي أو هاتف المنزل، ومع ذلك أحس أن التفاهم والتلاحم كان جيداً بصورة ربما تفوق ذلك حالياً، أيضاً لم تكن المراكز التجارية بهذا الاتساع حتى السيارات لم تكن منتشرة بالصورة التي نراها الآن.

أيمن حجازي