يبدو أن شهر الصوم لم يعد كما تعلمناه بأنه شهر العبادة والابتعاد عن الطعام بغية توحيد الشعور مع أولئك الذين لا يجدون في بيوتهم ما يأكلونه طوال أيام العام.
فقد تحول هذا الشهر «بقدرة قادر» إلى شهر للسباق في إعداد الولائم التي تحتوي على أصناف عديدة من الطعام، فما أن يحين موعد الإفطار حتى يبدو الصائم وكأنه لم يذق الطعام منذ زمن، ففي هذا الشهر تحديداً تتسابق ربات البيوت في إعداد ما لذ وطاب، وتتسابق معها قنوات التلفزيون التي دأبت على إفراد مساحة كبيرة من بثها لبرامج إعداد الطعام، وهو ما دعا إحدى القنوات الفضائية إلى تغيير اسم شهر الصوم إلى «شهر الولائم»، وقد أعدت نفسها لإنجاز أكبر مجلة متخصصة في إعداد الطعام بالعالم، والأمر ذاته ينسحب على الشركات المصنعة للمواد الغذائية والتي تبارت هي الأخرى في إبراز كل إبداعاتها بهذا الشهر.
وبلا شك أن كل شيء حولنا في هذا الشهر يشجعنا على تناول الأكل بشراهة، متغافلين بذلك صحتنا وغير عابئين بأوزاننا التي ترتفع بسرعة البرق لتتخطى الحد المسموح لها، ولذلك نجد أن الكثير من الصائمين تزداد أوزانهم مع نهاية الشهر الكريم على الأقل خمسة كيلوغرامات، مع أنه يجب أن يكون فرصة للتخلص من السمنة التي التهمت معها المجتمع العربي عموماً، ورفعت معها نسبة المصابين بأمراض السكري والضغط وغيرها، وهنا يثور السؤال، كيف يمكن استغلال الشهر الكريم للتخلص من السمنة التي نعاني منها، وكيف يمكن تحويل وجبة الإفطار الوحيدة إلى نظام غذائي صحي يعيننا على إنقاص أوزانناــ
تقول أخصائية التغذية رشا راتب: «بلا شك أن الحكمة من الصيام هي العبادة عن طريق حرمان الجسم من الطعام والشراب والحصول على فرصة للتحكم بالجسم، ولكن المشكلة التي نواجهها أن البعض يعتبر رمضان فرصة ذهبية لتناول ما لذ وطاب من الأكلات الدسمة التي تحكمها العادات والسلوكيات الغذائية الخاطئة والتي تسبب زيادة في الوزن بحجة صيام طوال النهار.
ولذلك الكثير منا يعتبر فترة الإفطار القصيرة فترة تعويض عن الحرمان خاصة وأن فترة الصيام قد تصل إلى 11 ساعة»، وأضافت: «ندرك تماماً بأن هذه الفترة طويلة جدا وخلالها يعتمد الجسم على حرق الجلوكوز ومن ثم الدهون المخزنة فيه للحصول على الطاقة، وهذا بلا شك يساعدنا في إنزال الوزن ولكن ما يحدث معنا أن الجسم يلجأ بعد تناول وجبة الإفطار إلى اختزان الطعام تمهيدا لفترة الصيام التالية، وهذه تعتبر ظاهرة فسيولوجية طبيعية يلجأ لها الجسم ليضمن وجود دهون بداخله تسمح بتوليد الطاقة».
نظام غذائي صحي
يعتبر شهر رمضان فرصة جيدة لأولئك الذين يريدون التخلص من الأوزان الزائدة التي يعانون منها، وذلك يكون من خلال اتباع نظام غذائي صحي يساعدهم على تحقيق ذلك، وفي ذلك قالت رشا راتب: «خلال الأيام العادية عادة ننصح أي شخص يريد تخفيف وزنه بتناول خمس وجبات في اليوم، ثلاث وجبات رئيسية ووجبتين خفيفتين، ولكن الوضع في رمضان مختلف تماما بسبب الصيام.
ولذلك نقوم بتقليص الوجبات الخمس إلى ثلاث وجبات، اثنتين رئيسيتين هما الإفطار والسحور ووجبة خفيفة بينهما، وللتخلص من الوزن ننصح الصائم أن يكسر صيامه بتناول التمر والماء والشوربة وبعد ذلك يتوقف تماماً عن الأكل لمدة ربع ساعة أو نصف ساعة والتي يمكن أن يستغلها في الصلاة، وبعد ذلك يقوم بتناول وجبة غذائية متكاملة ضمن كميات معتدلة.
ونحن نشدد على فترة التوقف لأن ذلك يعطي الفرصة للمعدة لمعاودة عملها كالمعتاد، ونشير هنا إلى أن المعدة لن تتقبل كامل الوجبة لشعورها بالشبع، وعادة ننصح الصائم بالابتعاد عن شرب المياه بكميات كبيرة سواء في بداية أو وسط الأكل وذلك لأنها تعيق عملية الهضم وتزيد من حجم المعدة وتجوع مرة ثانية بعد مرور ساعة على الأكثر، في حين أن شرب الماء قبل الأكل يزيد من معدل حرق الدهون بنحو 30 سعراً في المرة الواحدة».
وأكدت رشا على ضرورة تناول وجبة السحور التي يجب أن تتكون من الأغذية بطيئة الهضم، وشددت على ضرورة الابتعاد عن تناول الحلويات في وجبة السحور لأنها تعطي شعور بالشبع فضلا عن أنها سريعة الهضم، كما دعت إلى ضرورة تناول وجبة خفيفة بين وجبتي الإفطار والسحور، حتى يتمكن الجسم من تعويض ما فقده من دهون، ونصحت بأن تكون هذه الوجبة من الفواكه التي تزود الجسم بالسكريات والفيتامينات التي يحتاجها.
وقالت رشا: «انزال الوزن يختلف من شخص إلى آخر، وهو يعتمد على الجسم وطبيعة الأطعمة التي يتناولها، ولكن في حالة الالتزام بنظام غذائي صحي طوال الشهر الكريم فإن ذلك يمكن أن ينقص الوزن ما بين 2 ـ 6 كغم».
نصائح
للمحافظة على الرشاقة وسط زحام الأطعمة دون حرمان، نورد تالياً بعض النصائح التي تساعد في تقليل الوزن:
ــ تعامل مع المعدة على أنها بيت الداء ويجب إراحتها بالالتزام بأمر النبي الكريم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس.
ــ تأخير السحور لأقرب وقت لصلاة الفجر لأن التأخير يجعل الجسم يحتفظ بأكبر قدر من المواد السكرية داخله ليمدنا بالطاقة اللازمة للقيام بالنشاط اليومي.
ــ احرص على تناول التمر والسوائل عند الإفطار لتعويض نقصها بالجسم مبكراً، وابتعد عن تناول الدهون بكميات كبيرة.
ــ لا تسرف في تناول الحلويات ولا تتناولها إلا بعد مرور ساعتين على الإفطار.
ــ يفضل أن تقوم ربة البيت باستعمال الأواني غير القابلة للالتصاق لتفادي إضافة الزيت أو السمن.
ــ تخلص من الدهن الذي يمكن رؤيته في اللحم والدجاج
ــ اتبع طريقة الغلي والشواء والطبخ والقلي الخفيف مع التحريك السريع
ــ ضع غطاء من الألمنيوم على اللحم أو الدجاج أو السمك أثناء طبخها في الفرن للاحتفاظ بعصيرها ونكهتها.
ــ أضف التوابل والبهارات إلى طعامك وخفف من الزيت والسمن والدهن.
الإمارات الثامنة عشرة عالمياً في البدانة
تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن الإمارات تحتل المرتبة الثامنة عشرة من حيث انتشار البدانة، وتؤكد بأن نحو 7,33% من الأشخاص البالغين يعانون من مرض البدانة، في حين أن 5,19% يعانون من مرض السكري، وكانت إحدى الدراسات الوطنية التي أجريت في الإمارات عام 2007، قد كشفت بأن ربع سكان الدولة الذكور من سنوات 20- 79 سنة و40% من الإناث للفئة العمرية ذاتها يعانون من السمنة ومشاكلها.
في المقابل أفادت بعض الدراسات بأن معدلات الوزن الزائد «السمنة» تتجاوز نسبة 30% بين طلاب المدارس، وهو ما يستدعي تدخلاً وقائياً للحد من هذه الظاهرة وتأثيرها على هؤلاء الأطفال مستقبلاً، وتؤكد المصادر الطبية أن زيادة الوزن قد تؤدي في حالات كثيرة إلى الإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة مثل القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري والكولسترول، وغيرها.
اتهامات
حلويات رمضان مسؤولة عن زيادة الوزن
تكاد تكون الحلويات هي المتهم الرئيسي في ارتفاع الوزن، وعادة ينصح خبراء التغذية بالابتعاد أو التقليل من الحلويات لاحتوائها على معدلات عالية من السكر، وفي رمضان تعودنا جميعا على تناول الحلويات بكثرة خاصة وأن بعضها قد ارتبط مباشرة برمضان مثل «القطايف» التي عادة تكثر في هذا الشهر.
وحول مدى تأثير الحلويات في زيادة الوزن قالت رشا راتب: «في رمضان هناك اهتمام عالٍ بالحلويات خاصة العربية منها مثل الكنافة والقطايف والتي تحتوي على معدلات عالية من السكر، ونحن كأخصائيي تغذية لدينا بعض التحفظ على الحلويات لأنها تعتبر من السكريات البسيطة التي تعمل على رفع نسبة السكر في الدم.
وبالتالي يكون لدى الجسم ردة فعل إزاء ذلك بأن يقوم بفرز كميات كبيرة من الأنسولين الذي يقوم بسحب الجلوكوز من الدم، وهو ما يشعر الجسم بالجوع مما يضطر الشخص إلى الأكل مرة أخرى، ولذلك يفضل الابتعاد عن الحلويات على الإفطار أو آخر الليل، وحتى في حالة الرغبة بتناول الحلويات يمكن أن تكون قليلة السكر، أو بكميات قليلة جدا»
غسان خروب


