ضمن كتابه «الموسوعة الشاملة في الصحافة والإعلام» سمّى البروفسور كريستوفر إتش. ستيرلينغ، عميد كليّة الإعلام والعلاقات العامّة السابق في جامعة جورج واشنطن الأميركيّة، أحداثاً كهذه «طيشاً متعمّداً»، وقد نبّه أيضاً إلى ظاهرةِ انتشارها الواسع على مدى العقدين السابقين.

ففي العام 1998، كانت الصحفيّة الأميركيّة «باتريشيا سميث»، من جريدة «ذا بوستون غلوب» على وشك أن تحظى بجائزة «بوليتزر»، قبل أن تعترف بإدخال أربع شخصيّاتٍ غير واقعيّة إلى تحقيقها، وقصصٌ عديدة مشابهة واجهتها «نيويورك تايمز» و«لوس أنجلس تايمز»، إلا أن ما كان يُخرج هذه المؤسّسات العريقة من تلك المآزق هو الاعتراف بارتكاب الأخطاء، والسعي نحو استعادة الثقة بمصداقيّة القناة الإعلامية، مقروءةً كانت أم مسموعةً أو مرئيّة.تعتبر المصداقيّة في عملنا الصحفيّ ركيزة أساسيّة، فإذا لم تتربّع على قمّة قوائمنا، انتسب ما نكتبه إلى جنس آخر من الأدب، ألا وهو القصة القصيرة.

وفيها تنقلب المصادر إلى شخصيّاتٍ نختلقها وننسج حكاياها بأسلوبنا السلس، لنجعلها قريبة من الواقع وإلى عقول وقلوب الناس. لطالما عانت مؤسّسة هيئة الإذاعة البريطانيّة من نقاطٍ سوداء في تاريخ مصداقيّتها، وعلى الرغم من كثرة الحوادث التي صادفنها في بحثنا، إلا أنّ اخترنا أن نُشارككم بتشكيلة صغيرة فقط ممّا حصلنا عليه بمُراجعة العديد من الصحف العالميّة.

1-عدم الدقّة في متابعة المسار التاريخي

تقول الباحثة تراسي بورمان، إحدى أشهر دارسي التاريخ في المملكة المتّحدة ورئيسة قسم الترجمة في مؤسّسة القصور الملكيّة التاريخيّة، إن الخاصيّة الوحيدة التي تقدّرها في سلسلة «ذا تيودورز» هو قدرتها على تفعيل اهتمام الناس بالتاريخ البريطاني.

فقد تلقّت هذه السلسلة التي بدأت «بي. بي. سي» بإنتاجها سنة 2007، نقداً واسعاً من المؤرّخين بسبب تشويهها للعنصر التاريخي بغية تتبيل الحبكة الدراميّة، فالأزياء المُستخدمة على سبيل المثال كانت عائدة لحقبة الملكة إليزابيث اللاحقة، فيما تنقّل أفراد الأسرة الملكيّة بعربات درجت في عصر الملكة فيكتوريا.

ولم تكن الباحثة نورمان المنتقد الوحيد للسلسلة، حيث نُشرت مقالاتٌ مُختلفة في صُحف عالميّة تُظهر نُقاط ضعفها، ولعلّ أهمّها ما جاء على لسان دييفيد ستاركي، الباحث التاريخيّ والمُختص بالعهد التيودوري، ضمن صحيفة «ديلي تيليغراف»، التي وصف فيها ذلك الإنتاج بأنّه «شنيعٌ من دون أيّ مسوّغ».

«بي. بي. سي» من جهتها اعترفت بالتلاعب الحاصل بالأحداث التاريخيّة، إلا أنّها سوّغت تصرّف كتّابها بعدم اهميّة التفاصيل التاريخيّة بالنسبة للأعمال الدراميّة المُتحدّثة عن تلك الفترة.

2-استخفاف بأهميّة الأبطال الحقيقيين

«من العار على «بي. بي. سي» أن تجعلنا نحن المحاربين القدماء نظهر بتلك الصورة الغبيّة»، هذا ما جاء على لسان محاربٍ من المدفعيّة الملكيّة يبلغ من العمر 85 عاماً ضمن التعليقات المنشورة تحت مقالة نُشرت في صحيفة بريطانيّة تنتقد عدم الدقّة والاستخفاف بالأبطال الحقيقيين لدراما تلفزيونيّة أنتجتها هيئة الإذاعة السنة الفائتة، باسم «لاند غيرلز»، تتحدّث عن حيات أربع نساء كن يخدمن ضمن قوّات «المرأة في الميدان» البريطانيّة.

تتراوح الأخطاء المُرتكبة في السلسلة بين التغيير الجذري للأزياء العسكريّة حينها وألوان القطارات ووسائل النقل والرُتب الرسميّة أنذاك، والتحريف في الأحداث، والأهمّ من هذا كلّه، أصوات أجراس الكنائس التي كانت جزءاً أساسيّاً من الموسيقى التصويريّة، بالرغم من أن طلّاب المدارس المتوسّطة في إنجلترا يعرفون أنّ أجراس الكنائس في حالة الحرب لا تُقرع إلا للتحذير من هجمات العدو.

3- حاوروا كلّ من يقف في وجهكم

كيف يُمكن أن تلتبس الوجوه عند مذيعةٍ مُحاورة ، فتُخطئ رجلاً بريطانيّاً أصفر الشعر وأزرق العينين، بآخر أفريقيّ بلكنةٍ فرنسيّة، كيف يُمكن لأيٍّ كان أن يُخطئ بين خبيرٍ في المواد الإلكترونية وسائق سيّارة أُجرة، حتّى بعد أن يجلس معه ويُحاوره!

هذا ما حصل يوم 12 مايو العام 2006، ففي حوارها حول التطبيقات التي توفّرها أجهزة «آبل» الحاسوبيّة، سألت مُراسلة «بي. بي. سي» المُختصّة بالمواد الاستهلاكية، كارين بورمان، ضيفها عن رأيه حول الانتصار القضائيّ الذي حقّقته هذه الأجهزة ضدّ بعض الشركات الأخرى

وكان ردّ السائق مُذهلاً، حيث انطلق مُتحدّثاً عن إمكانيّة تحميل الأغاني من مقاهي الإنترنت، وعندما سألت المحاورة عن علاقة شركة «آبل» بهذا الموضوع، تلعثم السائق ووضّح لكارين على الهواء مباشرةً كيف أنّه لا يعرف كيف وصل إلى أمام الكاميرا.

في اليوم التالي، اعتذرت القناة لمُشاهديها موضّحةً أن معدّ البرنامج، خرج من المبنى واحضر سائق السيّارة ظانّاً أنّه الضيف، في حين كان الضيف جالساً في غُرفة الاستقبال بانتظار دعوته ليتحدّث عمّا هو خبيرٌ فيه.

4-تحريفٌ يُثير استياء الملكة

على الرغم من استقالة مُراقب البرامج الوثائقيّة في قناة «بي. بي. سي» الأولى، إلا أن غيظ الملكة لم يبرد بسبب الإساءة التي وُجّهت لشخصها في أحد البرامج الوثائقيّة التي أنتجتها الهيئة.

فقد قدّم فيلم، «عامٌ مع الملكة»، رأس الأسرة البريطانيّة العريقة وكأنّها شخصيّة غير قادرةٍ على اتّخاذ القرارات، لا تملك زمام المبادرة ونظام حكمها غير كفؤ. هذا بالإضافة إلا أن المراقب كان قد صرّح في مؤتمرٍ صحفيّ أن الملكة بدت وكأنّها «تفقد عقلها»، في نوبة غضب في إحدى جلسات التصوير.

وقد ظهر في نهاية الأمر، أن المشهد الذي تحدّث عنه المُراقب، لم يكن سوى مجموعة مقتطفات من سلسلة مشاهد تمّ تطبيقها لتُظهر الملكة تشتعل فيها نيران الغضب أثناء جلسة تصويرها مع الصحفيّة الأميركيّة آني ليبوفيتز.

5-يومٌ أسود في تاريخ «بي. بي. سي»

حسب تقارير أهمّ جرائد العالم، يعدّ يوم 28 يناير من العام 2003، أسوأ يومٍ في تاريخ «بي. بي. سي»، إثر فضيحة تقرير «هوتون» الذي تمّ تسريبه من قبل أحد العاملين بالهيئة هاتفيّاً لصحيفتين من صُحف الإشاعات البريطانيّة. ويتحدّث التقرير عن دور حكومة توني بلير أنذاك في تضخيم قضيّة أحداث سبتمبر في الولايات المتّحدة، لتبرير مُشاركة بريطانيا لأميركا في حربها على العراق.

ولم يقف التسريب عند هذا الحد، فبعد ستة أشهر، وُجد الدكتور «ديفيد كيلي» العامل في وزارة الدفاع البريطانيّة بعد أن سمّته «بي. بي. سي» مصدراً لتقريرها، مقتولاً في شُقّته في 18 يوليو. فما كان بعد توالي أخبار الخزي تلك على الشبكة غلا ان تُضحي برئيس هيئتها «غايفن ديفس» ومديرها العام «غريغ دايك» ككبشي فداءٍ، وإلى جانبهما المُراسل معدّ التقرير «أندرو جيليان».

دبي- علي محي الدين