رحلة أل39 عاماً بين بعض القرى اللبنانية، حاملاً «المكاتيب» لأصحابها، متنقّلاً على درّاجته الناريّة، انتهت بصور معلّقة على جدران منزله، لأصحاب المواقف السياسية الصاخبة والذوات وبعض الأصدقاء من الطبقة الفقيرة، وبذكريات لا تنطفئ عن سنوات سبقت إحالته إلى التقاعد عام 2003.

هو مشهد تراثي فريد وجامع ل«عدّة الشغل»: حقيبته التي حملت أفراح الناس وأحزانهم، لا يزال يحتفظ بها إلى جانب درّاجته التي تآكلت بفعل الصدأ.. وعلى بعد سنتيمترات قليلة، بزّته الرسمية و«المشمّع» (بزّة للشتاء مجهّزة بقبعة)، وبطاقة المهنة، من دون أن يغيب عن باله «الخُرْج» الذي كان مخصّصاً للرسائل.

كلّها ما تزال تذكّر «أبو ناصر» (71 عاماً) بأسماء أبناء القرى وعناوينهم وعباراتهم الترحيبيّة، في زمن صارت فيه تكنولوجيا الهواتف والانترنت والبريد الصوتي أصحاب الكلمة الفصل.. في إيصال الرسالة وأخواتها إلى من يعنيهم الأمر.

والحكاية تعود إلى عام ,1964. يومها، بدأ حسين ناصر، إبن بلدة يحمر في جنوب لبنان، رحلة تنقّله بين 14 قرية جبليّة، بعد تعيينه ساعي بريد في بلدة عبيه (قضاء عاليه/ جبل لبنان)، تاركاً وراءه مهنة التعليم والشهادة المتوسّطة (البريفيه) التي نالها عام 1961، ومعتمداً على درّاجة إشتراها ب2500 ليرة لبنانية (أقلّ من دولارين) مقسّطة على 50 ليرة شهرياً.

درّاجة و«هضامة» وروح نكتة، كلها عوامل أوصلته إلى نسج شبكة من العلاقات، «كانوا كلّهن يحبّوني ويستهضموني»، يؤكّد «أبو ناصر» ل«البيان»، ويضيف: «المكتوب أو البريد كان يصل مضموناً لصاحبه بعد يوم أو يومين».

ثلاث سنوات كانت كافية لأن يُرهق صاحب الشاربين العريضين، ليطلب بعدها نقله إلى مركز النبطية (جنوب لبنان)، رغم الجهد المضاعف، والمتمثل بقطع أكثر من 70 كيلومتراً يومياً، موزّعة على 27 قرية وعلى مدى 6 أيام.

«أثناء هطول المطر، كنت أرتدي المشمّع والجزمة والحطّة (الكوفيّة)».. وبشيء من الخجل، يكشف ساعي البريد عن بعض الإكراميّات التي تلقّاها أثناء عمله: «سكّينة 108 من البولاد والبلاستيك من صنع السنغال، وكان سعرها محرِز، يعني شي نصّ ليرة.. وكمان (أيضاً) قداديح رونسون ومسابح ملوّنة».

وإذ لا يتناسى الترحاب الذي كان يلقاه من مستقبلي الرسائل: «أهلا بهالقامة وبهالشوارب.. أهلا بحامل رسائل الغوالي»، يسرح «أبو ناصر» إلى البعيد كمن يلملم أفكاره ويكمل: «لحظات حلوة وأيام جميلة قضيتها في نقل رسائل من جهات رسمية ومن المهاجرين إلى ذويهم، إضافة إلى قرارات رسمية وإدارية وقضائية، وأيضاً رسائل فرح وتعزية».

«كانت المحبة بالقلب، مش متل اليوم كل شي مبني على المصلحة.. عشنا رفاهية المراهقة مع الصبايا، نقعد مع الرجال بألفة وإنسانية في بيوت القناطر، نلعب الورق وطاولة الزهر والداما»، يقول «أبو الشوارب» محدّقاً إلى البعيد من شرفته، معلناً انتهاء زمن المحبة والألفة، إلى غير رجعة ربما.

ويخلص صاحب ال71 عاماً، عند تذكّره الماضي، إلى مقولة «ألا ليت الشباب يعود يوماً»، مستذكراً كيف كان الناس «سواسية»، لا فرق بين مسيحي ومسلم..

ومن الطرائف التي لا تزال تتكرّر مع «أبو الشوارب» ذلك السؤال الذي يطرحه شباب البلدات التي ألفت وجهه: «كيفك يا أبو ناصر؟ بعدك شاب، وكيف هالشوارب؟»، ثم يسألونني: هل عرفتنا؟، أقول لهم: لا.. فيجيبون: نحن نتذكّرك، لأننا كنا صغاراً وأنت كنت كبيراً، ف«أردّ عليهم بأن الصغير يعرف الكبير، ولكن الكبير من أين له أن يعرف الصغير؟».

بيروت ـ وفاء عواد