في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية. جمع المستشرق الانجليزي وليم مونتغمري وات بين وظائف متعددة: فهو مؤرخ وراهب وأكاديمي وأستاذ للغة العربية وباحث في الدراسات الإسلامية في جامعة أدنبرة ومن أوائل الذين شرحوا الإسلام في الغرب.

وكان من أشد المعجبين بشخصية الرسول محمد (ص) بحيث ألف العديد من الكتب حوله: نبي الإسلام، ومحمد، ومحمد في مكة، ومحمد في المدينة. ويشهد على أن الرسول محمد (ص) أنجز تقدماً كبيراً للمرأة مثل إلغاء وأد البنات، وشرع لها حقوقها في ضمان الملكية والوراثة والتربية والطلاق وغير ذلك. كما أن مكة شهدت ازدهاراً للتجارة لا مثيل له في زمنه. القدس.. مكان للحوار كتب مونتغمري نحو ثلاثين كتاباً، مازجاً فيها الفلسفة والتاريخ القديم والفقه والتحليل الموضوعي. ويسرد كيف انجذب إلى الإسلام، بقوله: «من الطريف أنني اهتديت إلى الإسلام ودراسته عندما ماتت والدتي، فاستدعيت مسلماً هندياً، وفيما بعد باكستانياً، ليشاطرني السكن، وكان اسمه خواجه عبد المنان، في العشرين من عمره، يدرس الطب البيطري آنذاك.

ومنان، كما أطلق على نفسه، ينتمي إلى الجماعة المحمدية، وأصبح فيما بعد كولونيلاً في الجيش. ومنان. كان نوعاً من المسلم الذي يجادل ويناقش، وهذا ما جعلنا نتحاور حول الإسلام أثناء تناول الفطور ووجبات العشاء».

ولعل الفصل الهام من سيرته الذاتية هو رحلته إلى القدس، التي قال عنها: «عندما سمعت بحاجة الأسقفية الأنجليكية في القدس لرجل يهتم بالعلاقات الإسلامية المسيحية، قدمت طلبي لشغل هذا المنصب.

وبالفعل شغلت هذا المنصب من 1944 إلى 1961 في فلسطين. وبعد أن درست اللاهوت وأصبحت قساً، بدأت بدراسة اللغة العربية.. وكنت أتأمل أن أثير النقاشات مع المثقفين المسلمين ولكن القدس حينئذ لم تكن المكان المثالي لذلك. وعندما تعقدت الأمور في عام 1946، وفقدت صديقاً أثناء تفجير فندق الملك داود، غادرت القدس ولم أعد إليها أبداً».

كان غنياً بتجربته الأكاديمية، كباحث واسع الاطلاع في جميع الميادين المتصلة باللغة العربية والتاريخ والفكر العربي والإسلامي، قديمه وحديثه. فقد عالج في كتابه «الإسلام واندماج المجتمع» أصول الإسلام وظروف نشأته وطبيعة عقائده وصلتها بالأفكار الإبراهيمية واليهودية والمسيحية، ومعتقدات الحضارات القديمة في سوريا والعراق ومصر وفارس.

واتخذ من الحقبة النبوية مركزاً لاهتمامه ودراساته كلها، وألقى الضوء على ظروف نشأة الفرق الإسلامية ومعتقداتها، ونقاط التقارب والتباعد بينها وبين عقائد الإسلام الأساسية من جهة، وبينها وبين بعضها من جهة أخرى. ولم يهمل مستقبل الإسلام وآفاقه، وعلاقته بالغرب وأطماع القوى الاستعمارية، منبّهاً إلى مخاطر الصراعات في العالمين العربي والإسلامي.

التاريخ الأندلسي

كان الإسلام بالنسبة له كلاً لا يتجزأ، لذلك بحث في كتابه «تاريخ إسبانيا الإسلامية»، ظهور الإسلام في إسبانيا، وتضمن كتابه فصولاً من الأدب الأندلسي أوردها «بيير كاكيا»، من أجل إعطاء لمحة شاملة للفترات التي امتدت من الفتح حتى طرد الموريسكيين منها، والقوانين التي تحكمت بمصير الدولة الأندلسية وإنهاء الوجود العربي.

وركز على مفهوم الدولة العربية التي نشأت على فكرة القبيلة وتحالفاتها وعلاقاتها مع الدول الأخرى المعاصرة حيث ظلت في إطار العلاقات الموجودة منذ نشوء الدولة الإسلامية أيام النبي محمد (ص).

وانطلاقاً من هذا التصور، حاول المؤلف أن يعلل انهيار الدولة الأندلسية، كنموذج للدولة العربية ـ الإسلامية في خطوطها وملامحها العامة، والتي تتلخص أسبابها في فشل تكيف الأفكار الإسلامية المتعلقة ببناء الدولة مع مشاكل العصر، مع انعدام طبقة وسطى قادرة على المحافظة على حكومة مركزية قوية.

كما حاول المؤلف أن يحلل الأسس الفكرية والاجتماعية التي استندت إليها الدول البربرية التي حكمت الأندلس، مثل دولتي المرابطين والموحدين واستجابة الأندلس معهما، مؤكداً في تحليلاته على الانجازات الحضارية في ظل حكم الأمويين، وأواخر عصر الموحدين.

حيث شهد نهوض الأدب والفن في غرناطة، وانحسار السياسة، ونهاية اسبانيا الإسلامية. ولكن حياة الأندلس وقيام الحضارة العربية الإسلامية فيها كان له تأثير كبير في بلورة التاريخ الأوروبي واستجابته لهذا التقدم والإفادة منه.

أميركا تفرط في دعم إسرائيل

كان المستشرق وليم مونتغمري وات يؤمن بوجود المتطرفين في جميع الديانات، هؤلاء الذين يذهبون إلى أبعد من دياناتهم. ويورد أمثلة تاريخية على ذلك، مستشهداً بالعبرانيين الذين وصلوا إلى فلسطين، وباستنادهم إلى فقرة من التلمود، قاموا وبشكل متعصب بقتل الرجال والنساء والأطفال وكل شيء حتى الحيوانات.

إلا أن المسيحية في جوهرها، كانت تقف ضد الحرب، على الرغم من وقوفها مع الحرب في الماضي، والإسلام كدين سمح لا يعارض المسيحية في ذلك، حسب رأيه.

ولم يكن هذا المستشرق يفصل بين السياسة والدين والمجتمع، فأعطى تحليله الحقيقي عن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل: «أعتقد أن الولايات المتحدة تمارس سياسة خطيرة في علاقتها مع الشرق الأوسط، لأنها بكل بساطة تفرط في تدعم إسرائيل:

تسمح لها بامتلاك السلاح النووي، وفعل ما تريد، ومن أفعالها ما هو مخالف للقوانين اليهودية كأن تشغل العائلات اليهودية البيوت العربية بدون دفع بدل إيجارات، وهذه اسميها السرقة بعينها.

اعتقد أن على أميركا أن تكون أكثر حزماً مع إسرائيل. ولكنها لا تتمكن من ذلك بسبب دور اللوبي اليهودي. وما دامت هذه السياسة مستمرة، فإن الشرق الأوسط لن يعرف السلام. ولا يمكن تفادي هذه المخاطر إلا بالاتفاق على التعايش بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام على أسس احترام التعاليم السماوية».

حوار الإسلام والمسيحية

من المعروف أن المستشرق وليم مونتغمري وات كرس حياته بكاملها لتنشيط الحوار بين المسيحيين والمسلمين وايجاد القواسم المشتركة بينهما. فهو اكتشف الإسلام في عام 1937عندما كان يدرس الدكتوراه في جامعة أدنبره، وهو من قلائل المستشرقين الذين آمنوا بأن القرآن نزل بوحي من الله، وآمن بأن العقلانية تستوجب عدم نكران هذه الرسالة السماوية العظيمة. وقد أعانه اكتشاف الإسلام على التفكير الواضح بالتوحيد:

«يمكنني القول، إن الإسلام جعلني أفكر عميقاً حول وحدانية الله. ولم أكن سعيداً بالتقاليد المسيحية التي تؤكد على مبدأ ـ التثليث ـ الأب والابن وروح القدس ـ. ولكن كلمة شخص تغيرت في استخدامها في اللغة الانجليزية منذ قرون. وقد ترجمت الكلمة اللاتينية ـ بيرسونا ـ إلى الوجه أو القناع الذي يستخدمه الممثلون. والكلمة الانجليزية تعني ـ الفرد ـ وهي مختلفة.

ولا يعني ذلك أن المسيحية تؤمن أن الله يحتوي على ثلاثة أفراد كما هو الحال في التثليث. فالإسلام، مع أسماء الله الحسنى، يمكنه مساعدة المسيحي في رؤية مبدأ التثليث بصورة أوضح. أي أن التثليث يحتوي على وجوه مختلفة أو أدوار متعددة للإله نفسه. الإسلام يعطيني نتيجة مباشرة أكثر وضوحاً».

شاكر نوري