في زمن تجسدت فيه مشاعر الحب والألفة بين سكان المنطقة الواحدة وكل معاني التواصل الاجتماعي، وفي حي سكني كان نسيجه البشري مكون من خليط متجانس لشرائح مختلفة جمعت بين الغني والفقير.
وفي مكان كانت الدور السكنية متلاصقة ومتشابهة وغلب عليها الطابع التقليدي المنسجم مع الطابع المعماري المحلي البسيط، نشأ وترعرع يوسف مراد سالمين في منطقة الراس وهور العنز والراشدية بدبي.
في بيئة محلية كانت العادات والتقاليد والموروثات الشعبية من الأساسيات التي يحافظ عليها الناس ويحرصون على تفعيلها في المناسبات، خاصة في شهر رمضان والأعياد، فتكثر الزيارات وتتوطد العلاقات والصداقات بين الأهالي وسكان الحي الواحد، وحظي الأبناء على تربية ورعاية من الآباء تحت دراية الأجداد وأهالي الحي.
ذكريات خالدة
ولرمضان في ذاكرة يوسف مراد ذكريات حية يحن إليها كثيرا ويتوجه إلى المناطق التي عاش فيها واحتضنت مراتع طفولته وشبابه في محاولة لاجترار تفاصيلها التي طوتها السنوات.
وقال: أتردد على الأماكن التي احتضنت طفولتي وجزء من شبابي، وأمر على المساحات التي لعبنا عليها والملاعب التي أعددناها بجهودنا الذاتية، ومن أبرز ما يميز رمضان في الماضي انشغال الجميع بالتحضير له خلال الأيام الأخيرة من شهر شعبان وذلك للاحتفاء بقدوم الشهر الفضيل، فتكتظ الأسواق بالزبائن، وأذكر أن من أساليب الإعانة الاجتماعية الذي يتيح للمواطنين الانتفاع من الدعم الغذائي البطاقة التموينية التي تعطي للمواطن دعما للحصول على المواد الغذائية الأساسية بسعر رمزي.
وكان الناس يتسابقون للحصول على اللحوم التي كانت تشهد ارتفاعا في الأسعار آنذاك بأسعار معقولة بفضل الدعم الحكومي، ولا أنسى القنوات الإذاعية ودورها في التركيز على الأمور السلامية والمسلسلات الإذاعية الهادفة والرامية إلى توعية أفراد المجتمع بأهمية رمضان.
وذلك من خلال التركيز على فقه الصيام وملامح عن صيام الرسول - صلى الله عليه وسلم- وغيرها، جنبا إلى جنب مع الأناشيد التي لا أزال أتذكر كلماتها، فكانت الأجواء روحانية ومفعمة بالمحبة والألفة والود والراحة.
تلاحم اجتماعي
واستطرد يوسف بقوله إن التلاحم الاجتماعي والروابط الاجتماعية القوية والمحبة والألفة كانت السمة الغالبة على الحياة القديمة التي عاشها في أيام شبابه، وكان أفراد الحي يمثلون القوة الأساسية للتلاحم الاجتماعي، ومع حلول شهر رمضان، يسود الفرح والسرور بين الأهالي والجيران.
ويتبادلون التهاني والتبريكات جنبا إلى جنب مع الأطباق التي تعدها ربات البيوت، حيث كان الصغار من يقومون بتوزيعها، وكونه رياضي من الطراز الأول، فكان لا يتردد هو وأصدقائه في إعداد الفرق الرياضية وتجهيز الملاعب للمشاركة في البطولات التي تقام في الفرجان.
وأضاف يوسف: كنا نعد الفرق والملاعب التي تقام عليها البطولات بجهود ذاتية في السابق، وكان الجميع متعاون حيث نتلقى المساعدة من شباب الفرجان الأخرى لتجهيز الفرق أو الملاعب، حتى تطور الأمر وأصبحت دورات رمضانية تقام على البحر بإشراف كبار رجال المجتمع تجميع بين أبناء الفرجان المختلفة للمشاركة والتنافس على لعب كرة القدم والطائرة.
وكل تلك التحضيرات لم تشغلنا عن العبادة، بل كنا لا نفرط في أدائها كاملة. كما يحرص الشباب على تأدية الفرائض في المساجد، حيث تكتظ المساجد بإعداد المصلين ما يشير إلى قوة العلاقة التي تجمع بين الناس ودينهم وقيمهم ومبادئهم في شهر رمضان المبارك، فلم تكن المسلسلات والبرامج التلفزيونية ذات قيمة كبيرة في ذلك الزمن.
حيث أن انشغال الجميع بالعبادة وتبادل الزيارات والتقارب يُغني عن الجلوس في البيوت لمشاهدة التلفاز الذي أصبحت برامجه مرتكزة على الشهر الفضيل في الوقت الراهن وللأسف.
وعلى الرغم من صغر سني عندما بدأت بالصيام، وكنت حينها في الثامنة من عمري، إلا أنني اعتدت على الصبر وتحمل العطش والجوع وذلك بفضل التربية الحسنة التي نلتها من والدي وأجدادي ورجال الفريج، ولا أنكر بعض المواقف التي كنا نتذوق فيها الماء قليلا أنا وأصدقائي في المدرسة ولكننا كنا نخاف أن نفعل ذلك أمام المدرسين والأهالي احتراما لهم، وبعدها اعتدنا على الصيام تدريجيا، وأنا الآن أمارس تعويد أبنائي على الصيام التدريجي.
الفطور الجماعي
لم تتوان الأسر في الماضي بإعداد أفضل الوجبات وتوزيعها على الجيران أو للمشاركة في الفطور الجماعي المقام طيلة شهر رمضان في المساجد لإفطار الصائمين، فالإيثار وحب مساعدة الآخرين كانت الرباط الوثيق بين أفراد الفريج الواحد ولذلك في إطار للمحافظة على العادات والتقاليد المتوارثة بين الأجيال، وكان التعاون يحتم على الجميع المشاركة في إعداد موائد الإفطار الجماعي في المساجد.
حيث كان البعض يفضل الإفطار في البيت أو لدى كبير العائلة، والبعض الآخر يفطر مع الجماعة، وكانت وجبة الفطور بسيطة وتحتوي على الأطعمة الشعبية التي لم يكن يستغنى عنها احد مثل الهريس واللقيمات والأرز والثريد وغيرها، مشيرا إلى أن المطاعم ومحلات الحلويات تشهد فتورا في نهار رمضان، حيث لم تكن المطاعم مفتوحة في الأساس في النهار، وكانت معظمها تنشط في المساء كما جرت العادة.
ليالي رمضان
وفي مساء رمضان وبالتحديد بعد صلاة التراويح، يفتح المجال للتسامر والتزاور بين الأهالي والجيران والأقارب، حيث يجتمع الرجال في مجلس كبير الحي لتبادل أطراف الحديث، أو يتم التجمع في خيمة احد أهالي المنطقة،.
وحكى يوسف مراد عن إحدى الطرائف في رمضان، ولعشقه الكبير للرياضة شارك في أكثر من دورة رياضية في شهر واحد، فكان لاعبا في نادي الأهلي وتم تسجيله في دورة بنادي النصر الرياضي ودورة أخرى في مدينة العين، وكان فور انتهاءه من اللعب يتوجه بسيارته إلى الدورة الأخرى في نفس الليلة، وينتهي منها ليلحق بالأخرى وهكذا، مؤكدا أن تلك هي مكامن الجمال والإبداع والعطاء وبذل الكثير إذا أحب احد عمله.
واختتم يوسف مراد حديثه قائلا: أتمنى الرجوع لتلك الأيام التي كانت العادات والقيم الإسلامية ودلائل الخير في أوجها، وإذا كنا نعتز بتلك الأمور، يجب عليها الرجوع لها وغرساه في نفوس أبناءنا الذين باتوا في أمس الحاجة لها في هذا لازمن.
ومن أكثر الأمور التي افتقدها العلاقات الاجتماعية المتينة بين الأهالي والأحياء السكنية القديمة التي ورثنا منها حب الولاء والانتماء، وحب العمل والعطاء والإخلاص والإحساس بالمسؤوليةلالا، وأضاف إن مستجدات الحياة سحبت القيم النبيلة والرفيعة التي كنا نفتخر بوجودها في حياتنا سابقا.
دبي - نادية إبراهيم
