التسول ظاهرة تعد واحدة من الظواهر التي تزعج الكثيرين، وتثقل عليهم وتتسبب في إزعاجهم، هذا فضلا عن كونها واحدة من الظواهر السلبية التي تشوه المظهر الحضاري للدولة، ومن الملاحظ أن شهر رمضان الكريم، يشهد زيادة كبيرة وملحوظة في أعداد المتسولين، ممن يستغلون الأجواء الروحانية للشهر الكريم، لتحقيق الأرباح والمكاسب غير المشروعة.
وقال علي المرزوقي - طالب جامعي-: أتعاطف مع المتسولين جداً في شهر الخير، ولا أتردد في إعطائهم بعض المال، لأنني أشعر أنه عمل إنساني وخيري سأجني من ورائه الأجر والثواب والحسنات.وقال المرزوقي عن الأماكن التي يلاحظ كثرة المتسولين فيها: ألتقي بهم عند المساجد عادة، ومعظمهم من ذوي الإعاقات ويصطحبون معهم بعض الأطفال، كما أنهم يثيرون الشفقة كثيرا، وهذا ما يشجعني على مساعدتهم وإعطائهم بعض الدراهم. ويرفض خلفان أحمد -موظف- فكرة إبلاغ الشرطة عن المتسولين أو حتى نهرهم وعدم إعطائهم المال.
وقال: لا أدري ما الظروف التي أجبرت هؤلاء المتسولين على التسول وطلب المال من الآخرين، لذلك لا أقوم بإبلاغ الشرطة عنهم، خوفاً من اقتراف ذنب في شهر الطاعات، وأفضل إعطاءهم أي شيء حتى لو كان درهما واحد فقط، حتى لا أشعر أنني شخص ظالم أو متعال. ويتعامل إسماعيل جاسم -موظف- مع المتسولين بأسلوبه الخاص، وقال: كثيرا ما أواجه المتسولين عند أبواب الجمعيات التعاونية، حيث يطلبون المال من أجل شراء طعام الإفطار، ولأنني لا أعرف إن كان هذا المتسول صائما حقا أو يدعي الصوم من أجل إعطائه المال، فإنني أقوم بإعطائه بعض المواد الغذائية التي قمت بشرائها كعلب العصائر، واللبن، والخبز، وأخبره أن بإمكانه الذهاب إلى أي مسجد قريب، حيث بإمكانه أن يتناول وجبة شهية وصحية.
حمد الحمادي - طالب جامعي- يوافق هذا الرأي مؤكدا أنه لا يعطي المتسولين المال، بل يسير على خطى والده ويقدم لهم ما يحتاجون إليه من طعام وملابس وغيرها من الأمور التي يطلبونها عادة، وقال:
ظاهرة التسول عالمية وموجودة في كل البلدان، وتعاطف الناس أمر طبيعي مع المتسولين، لأنه أمر يتعلق بعاطفة الإنسان، وبالنسبة لي فأنا أشجع هؤلاء المتسولين الذي يقومون ببيع المصاحف، والأدعية، وألتقي بهم عادة في مواقف السيارات، وأشتري منهم.
أما علي الكعبي ؟موظف- فقال: على الرغم من أن التسول ظاهرة غير حضارية وذات أضرار كبيرة على المجتمع، إلا أنني لا أستطع رد المتسولات اللواتي يتجلون في الأسواق الشعبية وبين المحلات ويطلبن المال من أجل شراء الحليب لأطفالهن في الشهر الكريم، وأقوم بإعطائهن المال من باب الصدقة حتى لا أشعر بتأنيب الضمير.
ورفض الكعبي هو الآخر فكرة إبلاغ الشرطة عنهم وقال: غالبا ما يلجأ المتسولون للكذب والخداع، ولكنني أخاف من دعاء المظلوم وخاصة في شهر رمضان.
معارضون للتسول
وعارض حسين أحمد - مهندس معماري- فكرة التعاطف مع المتسولين وقال: جميعهم كاذبون ومحتالون، لأن الشخص المحتاج بالفعل سيلجأ إلى الجمعيات الخيرية والهلال الأحمر الذين لن يقصروا في مد يد العون لهم ومساعدتهم. وحول إبلاغ الشرطة قال حسين:
لا أحب المشاكل وأكتفي بعدم إعطائهم المال. وتحدث حسين عن موقف غريب حصل معه وقال: أتت إلي سيدة بعد صلاة التراويح ومعها ولد صغير تطلب المال، ومن باب الحزن والشفقة على الصغير قمت بإعطائها خمسين درهماً، فشكرتني السيدة وقبل أن تبتعد رن هاتفها النقال.
وعندما أخرجته من جيبها فوجئت أنها تحمل هاتفا لا يقل ثمنه عن ألف درهم، ومنذ ذلك اليوم قررت ألا أتعاطف مع أي متسول أو متسولة. وقالت سلمى رفيع: أخشى من فتح باب المنزل عندما يطرقونه بقوة، كما أنني لا أعطيهم أي شيء، فأنا لا أعرف من يكونون.
وتستعد الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في دبي لإطلاق دوريات متخصصة في ضبط المتسولين، للقضاء على ظاهرة التسول الذي يعد الشهر الكريم أحد أهم مواسمها، بهدف توعية أفراد المجتمع بأضرار ظاهرة التسول، باعتبارها مظهرا من مظاهر التخلف الاجتماعي، وبداية الطريق للانحراف، ودافعا للجريمة، لاسيما أن أغلب المتسولين هم أشخاص قادرون على العمل والإنتاج، ولكنهم اعتمدوا على التسول مهنة تدر عليهم دخلا مغريا بسبب تعاطف الناس مع الاستجداء الذي يتقنون أساليبه.
وقال صالح الحارثي -رجل أعمال: إن ظاهرة التسول تعد واحدة من الآفات الاجتماعية التي نعاني منها حالياً، وتتطلب المزيد من الحسم والصرامة في التصدي لها، سواءً من قبل المواطنين والمقيمين، أو من قبل المؤسسة الأمنية، فالمسئولية يجب أن تكون مشتركة، إذا أردنا بالفعل استئصال هذه الظاهرة المؤسفة.
وبالنسبة للعامة من الناس، فإن مسؤوليتهم تتمثل في صد هؤلاء المتطفلين وعدم التعاطف مع محاولات النصب التي يتقنونها، لأن هؤلاء في حال لم يجدوا جدوى من وراء ما يفعلونه، سيكفون لا محالة عن هذه الأفعال المشينة.
قصص وهمية
ويؤيده في الرأي عيسى الحمادي - موظف- حيث يقول: إنه لمن المؤسف أن تفتح الدولة ذراعيها لتقديم شتى سبل المساعدة لكافة الحالات الإنسانية، وأن تبادر مختلف المؤسسات الخيرية إلى العطاء غير المحدود، في حين تتعمد فئة من محترفي النصب تشويه سمعة الدولة، عبر سلوكيات أقل ما توصف به، هو أنها ضرب من ضروب الاحتيال المنظم والمتعمد.
وهناك فضلاً عن ذلك المؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة، والتي تحرص على عرض الحالات الإنسانية المحتاجة للعلاج، وتلقي تبرعات المحسنين من مواطني الدولة والمقيمين على أرضها، للمساهمة في تخفيف آلام هؤلاء المحتاجين.
مجتمع معطاء
ويعتقد محمد عبد الرحمن - موظف ؟ أن المتسولين يشبهون الطحالب والطفيليات أو البكتيريا التي تبحث عن عائل تعيش عبر استغلاله وامتصاص دمه، وهم يجدون في صفات الكرم والعطاء التي يتمتع بها مجتمعنا، كغيره من المجتمعات المسلمة، وسيلة مناسبة للحصول على ثروات غير مشروعة.
ويروي قصة شخصية مرّ بها مع أحد المتسولين من جنسية آسيوية، حيث استوقفه هذا المتسول في أحد المناطق المكتظة بالمارة في إمارة أبوظبي، ثم تنحى به جانباً، وأخبره بأنه يعاني فشلاً كلوياً حاداً، ومن أجل إضفاء المزيد من المصداقية على روايته، أخرج من تحت ملابسه عبوة قسطرة البول البلاستيكية، المتصلة بكليته عبر أنابيب، ليؤكد أنه في أشد الحاجة إلى العلاج.
ولما سأله عما إذا كان يريد التوجه به إلى أحد العيادات، قال له: لا إنني فقط أرغب في الحصول على تذكرة طيران للعودة إلى وطني، فلا عمل لي في الإمارات، وعلاجي مكلف ولو حصلت اليوم على غسيل للكلى، فماذا سأفعل في الغد؟ ويتابع:
أمام القصة المؤثرة والمتكاملة الأركان، منحته طلبه ومضيت أحمد الله على سلامتي وأسأله العفو والعافية، غير أني فوجئت بعد نحو شهر بنفس الشخص، في ذات المكان يمارس اللعبة ويوقع بالمزيد من الضحايا، عندئذ شعرت بحجم الخديعة فتوجهت إليه ونيران الغضب تشتعل في صدري، وما أن رآني حتى أطلق ساقيه للريح بمنتهى الرشاقة والقوة...
فتأكدت من أنه محترف نصب من طراز رفيع، ومنذ هذه الخديعة أصبحت أرفض تقديم أموال للمتسولين، وغدوت أردهم رداً حسناً من دون أن أنهرهم التزاماً بتعاليم ديننا الحنيف.
ويقول علي حسين -موظف - إن هناك مجموعة من المؤشرات والدلائل التي تؤكد أن معظم المتسولين، ليسوا في حاجة للأموال وإنما هم محترفو نصب واحتيال، يسعون إلى كسب الأموال الطائلة عبر إراقة ماء الوجه.
ومن الدلائل التي تؤكد صحة هذه المقولة، أن المتسول يستخدم أساليب رخيصة في الإلحاح على ضحاياه، حيث يتخير الأماكن العامة الفارهة، ويختار الأشخاص فيما هم مندمجون في حديثهم، لإحراجهم اجتماعياً ومن ثم يحصل على الأموال من دون حق.
تكثيف الحملات لضبط المتسللين والمتسولين
أكد العميد محمد صالح بداه العوضي مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بالإنابة حرص وزارة الداخلية، بتوجيهات الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، على استئصال ومحاربة كافة الظواهر التي تشكل خطراً على استقرار وسلامة المجتمع.
وقال: إن الوزارة خلال الشهر الكريم، ستولي اهتماماً كبيراً بتكثيف الحملات للقبض على المتسللين والمتسولين، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة ممن يحترفون التسول، هم من مخالفي قوانين الإقامة، مما يزيد من مخاطرهم على استقرار المجتمع وطالب أفراد المجتمع بتطبيق استراتيجيات ومطالب وزارة الداخلية التي تؤكد على أن الأمن مسئولية مشتركة، وعدم التعاطف مع المتسولين عبر تقديم الأموال لهم، وكذلك الإبلاغ عنهم حتى يتسنى لرجال الأمن محاصرة هذه الظاهرة غير الحضارية والتي لا تتناسب مع مجتمعنا الذي ينعم بأفضل معدلات الرفاه الاقتصادي.
وقال: إن التحقيقات تؤكد أن قطاعاً كبيراً من المتسولين ينتمون لتشكيلات إجرامية وهم يفدون إلى الدولة بواسطة التسلل عبر الحدود البرية أو البحرية، ومنهم من يفد إلى الدولة بتأشيرات زيارة ثم يمكثون فيها عقب انتهاء الفترة المحددة للزيارة ويمارسون التسول باعتباره أحد مصادر الكسب السريع غير المشروع.
ريما عبد الفتاح - محمد مصطفى موسى


