لعلَّ الأمرَ لا يقتصرُ على استيرادِ كُبرى الْمُصطلحات، بل يتجاوزُه إلى تبنِّي هشيمِ النظريَّات التي عجِزَ مُنظِّروها في أصولِ ديارِها عنِ الإلْمامِ بأطرافِها، أو تقاصَرت أحلامُ بعضِهم عن رصْفِ تطبيقاتِها ونَظمِ ممارساتِها؛ لِيُضافَ إليها في منظومةِ المناهجِ المعمولِ بِها في النظامِ التربويِّ ذي الصرعات، أنَّ بعضَ عناصرِ مناهِجِه لا تنسجِمُ في أساسِ بنائها مع تلك النظريات والمقاربات، أو أنَّ من سيقومُ عليها يعوزُه تلمُّسٌ قريبٌ لواقعه المحتاج، ورصدٌ حقيقٌ لقدراته؛ ليتدرَّبَ ويتأهَّلَ، وَيُمَلَّكَ الْمقَوِّماتُ، وتُمهَّدَ له المسبِّباتُ التي تُحقِّق التوقُّعات لِكُلٍّ منَ المورِّدِ والعميلِ معًا.

وبين كُبرى المصطلحاتِ وهشيمِ الْمُقارباتِ، تُضخُّ المعرفةُ ضخّا، وتندلقُ المعلوماتُ في أوعيةٍ ورقيَّةٍ يعجَز حامِلوها عن حملِها، وتئنُّ عقولُهم من خزنِها، وتتبعثرُ هممهم عنْ وعيها؛ فتتراخى مهاراتُهم، وتتضاءلُ قدراتُهم، ويضمحلُّ تفكيرهم، وقد تتوارى قيمُهم...فيضيقُ مجتمعُهم بِهم.

ولا سبيلَ إلى عَذْلِهِم! فما يصنعون بِمعرفةٍ لا يُجيدون إدارتَها وإنْ جَلَّت؟ وما الذي يَجْنونه من علومٍ نظريَّةٍ لا يَختبرونَها في قريبِ ساعاتِهم ومستقبل حياتِهم؟ وما الذي يُحصِّلونه من سلالِمِ درجاتٍ بلغوا مُنتهاها أو توقَّفوا عند أدناها... وهي لم تُسخَّر لتقويمِ تعليمِهم وتحسينِ تعلُّمِهم؟

وما نفعُ التقانَةِ بِعُدَّتِها وعَتادِها إنْ اكتفَوا بقشورها، واتَّخذوها وسيلةً للترفيه وقطعِ حياةِ أوقاتِهم، ولم يتمثَّلوا قيم استثمارها ويتقنوا مهاراتِها وينضبطوا وفق مبادئها؟ وما أهميَّةُ كلِّ ما يُبصَّرونَه و يُلقَّنونَه إنْ لَم تُسيِّجْهُ القيمُ الغالية، والثوابتُ الراسخة؛ حتى لا يتسَّع الرقعُ ويعْمُقُ الفتقُ، ولتنموَ شخصياتُهم بتوازنٍ يخدمهم، ويفيدُ منهم مجتمعهم، ويُحقِّقون بذلك أمرَ ربِّهم في خلافةِ الأرضِ وعمارتِها؛ فيضمنوا لهم مستقبلاً مكينًا عزيزًا، وآخرة ناعمةً راضيةً بإذن ربهم.

والسبيلُ إلى ذلك سهلٌ يسيرٌ... فبُعدًا لتقلُّباتٍ غيرِ واعيةٍ تصطدمُ بها هِمَمُهم، ولا لِحراكاتٍ غيرِ متأنيَّةٍ تئنُّ على إثرها عزائِمُهم، ومرحًى بكلِّ رأيٍ رشيدٍ سديد، وجهدٍ متضافرٍ أكيد...لكيلا تكون صرعة.

جواهر بنت محمد مهدي - مستشار مدير عام التربية والتعليم للبنات بجدة