في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.لم يكن هذا الطالب المجتهد يتخيل أن الحرب العالمية الأولى ستوقف دراسته للغات السامية في جامعة ادنبره، وكان عليه أن يترك مقاعدها ليحمل السلاح ويؤدي خدمة العلم في سلاح القوة الجوية الملكية البريطانية في فرنسا وايطاليا.

وعلى الرغم من أنه لم يكن عسكرياً محترفاً إلا أنه حصل على وسام الحرب لشجاعته. إنه السير هاملتون الكسندر روسكين جيب، المعروف بسير هاملتون جيب، الذي ولد في الإسكندرية، وعاش بين المصريين وأصبح واحداً منهم. ومن ثم ذهب إلى اسكتلندا، مقر أسلافه، من أجل الدراسة في عمر الخامسة بعد رحيل والده.التحق بالمدرسة الملكية العليا في ادنبره. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، قام بدراسة اللغة العربية في مدرسة الدراسات الشرقية في جامعة لندن. وحصل على الماجستير في عام 1922 حيث قلمت الجمعية الآسيوية الملكية بنشر أطروحته حول «الفتوحات العربية في آسيا الوسطى». شخصية الرسول الفذة عمل محاضراً في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن عام 1921 وتدرج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح أستاذً للغة العربية عام 1937.

وانتخب لشغل منصب كرسي اللغة العربية بجامعة أكسفورد، انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليعمل مديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد بعد أن عمل فيها أستاذاً للغة العربية. بالإضافة إلى اهتمامه اللغوي، توجه إلى دراسة تاريخ الإسلام وانتشاره.

وكان للمستشرق الكبير توماس آرنولد أثر كبير في أبحاثه. ولهذا الغرض، أنشأ مركزاً للدراسات الإقليمية من اجل متابعة انتشار الإسلام في بلدان آسيا الوسطى الذي عالجه في كتابه «الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى» عام 1933. وكانت أبحاثه منصبة على تحديث الإسلام الذي آمن بتلاؤمه مع كل العصور، لأنه يعتمد على مبادئ العدل.

وكرس جل اهتمامه على تأليف سلسلة من الكتب مثل «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» والمحمدية»و»أين يتجه الإسلام»، ملخصاً وجهة نظره في الدين الحنيف. ولعل أهم ما فعله هذا المستشرق أنه نشر كتبه هذه في الوقت الذي كانت فيه المكتبة الغربية تعاني من نقص فادح في هذا النوع من الكتب، وأغلب ما تم نشره كان مغرضاً أو حاقداً على الإسلام. ولم يكتف بنشر هذه الدراسات، بل ألحقها بدراسة مقارنة. ودرس الظروف التي ظهر فيها الإسلام، وشخصية الرسول محمد (ص).

وكان ظهوره يعكس ضرورة البيئة العربية في مكة باعتبارها مركزاً ثقافياً ودينياً وتجارياً ولها صلات بالشعوب المحيطة. وأكد على أن الرسول محمد (ص) توفرت له كل سمات القيادة الحكيمة التي تمكنت من تغيير مجتمع جاهل ويرفعه إلى مصاف العلم. وذكر كل أوصافه في كتابه »المحمدية» أو «المذهب المحمدي».

يمكن القول إن هاملتون كان من بين المستشرقين القلائل الذي أعطوا شخصية القائد العربي التاريخي صلاح الدين الأيوبي قيمته، كما أعطى مفهوماً عادلاً للحروب الصليبية. فقد ألف كتابه «حياة صلاح الدين» في عام 1933، وهي دراسة قيمة لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الأشكال.

فهو من الكتب القيمة والموضوعية التي تحدثت بصدق عن عظمة المنهج الذي سلكه هذا القائد الإسلامي في تربية الجيل الفذ الذين انتصر بهم وحرر المسجد الأقصى بعد احتلاله أكثر من مئة عام. فقد كتب المستشرق البريطاني بكل موضوعية عن الحروب الصليبية دون تحيز، كما فعل الكثير من المستشرقين الذين تصدوا لمعالجة هذا الموضوع.

الإسلام والغرب

في كتابه «المجتمع الإسلامي والغرب» الذي أصدره بالتعاون مع هارولد بوين عام 1950، درس حين تأثير الأفكار الغربية على تركيا والبلدان العربية التابعة لها، منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

ولم يفته بهذه المناسبة أن يشير إلى النقص الفادح في دراسات الأوروبيين والغربيين حول الإسلام. وقد ألقى سلسلة من المحاضرات في جامعة شيكاغو عن الأديان المقارنة، وهو برنامج جامعي، يسعى إلى دراسة الأبعاد والاتجاهات في الديانات وعلاقتها ببعضها. ثم جمع هذه المحاضرات ونشرها في كتاب تحت عنوان «الاتجاهات الحديثة في الإسلام»، ويدرس فيها تأثير الأفكار الغربية على الفكر الإسلامي.

ولعل أهمية هاملتون جيب تمكن في أنه لا يعرض الموضوعات بل يثير الأسئلة، كما في كتابه» الإسلام إلى أين؟» على سبيل المثال.

لقد تميز المستشرق البريطاني السير هاملتون جيب بإطلاع العميق على أوضاع العالم العربي، بفضل إتقانه اللغة العربية ومعرفته بالثقافة الإسلامية، قد عبّر عن مخاوفه منذ ثلاثينيات القرن الماضي من موجة التغريب التي تهدد المجتمعات الإسلامية.

ولا يعني ذلك في نظره أن تبقى المجتمعات الإسلامية مغلقة في وجه التطور، على الرغم من اعترافه بها، المجتمعات العربية في غالبيتها محافظة على عكس المجتمع الهندي على سبيل المثال الذي هو أكثر تقبلاً لآليات التفكير الحديث، وهذا ما يعزي تطورهم الحالي الذي لا يمكن نكرانه، فالهند أصبحت من الاقتصاديات الأولى في العالم في الوقت الحالي.

لذا فإن هاملتون جيب يرى في كتابه «دعوة تجديد الإسلام» إن إغلاق باب الاجتهاد وضع حداً فعالاً لمبدأ الحركة في الإسلام. فالاجتهاد هو مبدأ الحركة في الإسلام كما يقول الباكستاني محمد إقبال في كتابه » تجديد الفكر الديني في الإسلام» الصادر عام 1929.

هناك أصوات تريد «احتواء الإسلام» من خلال فصله تمامًا عن قضايا المجتمع والسياسة والاقتصاد، بينما الإسلام في نظر هاملتون جيب دين متكامل في رؤيته للحياة. ومن هنا يأخذ الإسلام أبعاده في تحدي العصر.

وعبّر تفكيره، أحدث السير هاملتون جيب نقلة استشراقية مهمة بتحوله من دراسة التراث العربي الإسلامي إلى دراسة الواقع الإسلامي المعاصر. فأضحى تأثيره كبيرا في طرفي معادلة الاستشراق:

العالم الغربي، الذي أفاد منه سياسيا، والثقافة المدروسة، التي اقتفت بعض آثاره. لذلك يُعتقد أنّه كان محفّزا مباشرا لظهور فكرة طه حسين عن الأدب الجاهلي. كما وظهر أثره الحقيقي في مواصلة تلميذه، برنارد لويس نهج الجمع بين الاستشراق والمعاصرة في كتابته عن الثقافة العربية. وهي رؤية جديدة، نابعة من فكر الآخر بالأدب العربي والثقافة الإسلامية.

ويرى هاملتون جيب أن الجسر الذي يوصل بين المسلمين والأوروبيين هو اتصالهما بالفلسفة الإغريقية، التي ترجم منها الغرب العلوم العربية وآدابها. وكان هذا الاتصال صعباً منذ بداياته الأولى، لأسباب متعددة، لها علاقة بمسألة الحفاظ على الهوية.

لذلك لم يكن للعلمانية، كما يرى المستشرق البريطاني، تأثير بالغة على الروح الدينية عند العرب. ولكن العرب لا يمكن أن ينغلقوا في وجه التكنولوجيا الغربية التي يستخدمونها في تفاصيل حياتهم اليومية. لذا فهناك أمل في التجديد لأن الإسلام دين حيّ وحيويّ، منفتح، واسع الأفق، لا يخاف من الآخر.

ودعا العرب والمسلمين منذ بداية الثلاثينات من القرن الماضي أن يسلكوا طريق النقد التاريخي كما فعل الغرب مع العلوم في عصر النهضة. وليس ببعيد أو غريب عن البحث العلمي، وأن العرب يملكون كنزاً كبيراً في هذا المجال وهو ابن خلدون ومنهجه التاريخي كما جاء على لسانه.

شاكر نوري