في ذاكرته الرمضانية يحفظ خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية سابقاً، مواقف طفولية إيجابية ومحفزة أبقته في دائرة الانتماء والوفاء لأسرته ولأبناء «الفريج» الذين شاركوه أبهى لحظات الشهر الفضيل وربما أصعبها، وهو بالتأكيد يذكر منها الكثير، مثلما أنه لا يغفل من ذاكرته موقفاً فرضه عليه أحد أصدقائه الصغار حينما كانوا يلعبون معاً في الفريج قبيل موعد الإفطار، الذي أغواه بقطعة بسكويت حالت بينه وبين الصيام فأفطر دون أن يعلم بذلك أحد من عائلته.

ظل طفلاً يصر على مرافقة أفراد عائلته في السحور والصيام وإن كان بشكل متقطع، فحينما أفاق على الحياة أدرك معنى الصيام بفعل تشجيع عائلته له، وقد بدأ يصوم بعض أيام رمضان ويفطر أخرى منذ بلغ الثامنة من عمره، وبمجرد أن أكمل الإثني عشر عاماً لم يتوانى يوماً في إكمال صوم الشهر الفضيل، إلا من يوم أفطر فيه متعمداً بعد أن اشتهى لنفسه قطعة بسكويت جاء بها صديقه الصغير.

غير ذلك يؤكد خليفة بن فارس أن صيام الصغار في الماضي يختلف عنه في أيامنا الحالية، ففي الوقت الذي نعيش أصبحت الأسر تعي أكثر أهمية الصيام بفعل الثقافة والتعليم، والجميع لا يقبل لأبنائه أن يمضوا في العمر دون صيام، حيث تجد أن الصغار في أعمار خمس سنوات أو يزيد يصومون خلال رمضان ويحظون بفرصة توعوية أكبر، وهو ما لم يتوفر للأطفال قبل بضعة عقود والسبب يكمن في مدى وعي وثقافة وحرص الآباء على تعويد الأبناء على الصوم.

ذاكرة رمضانية

خليفة بن فارس الذي بدأ حياته المهنية معلماً في المواد الاجتماعية في دبي وتنقل بين أكثر من مركز إلى أن أصبح مديراً للمنطقة قبل أن يستقيل ويغادر موقعه في التربية والتعليم منذ بضعة أعوام، يحفظ في ذاكرته العديد من المواقف الرمضانية المطعمة بنكهة التدريس وما يحيط بواقع المهنة.

ويؤكد أنه في أحد أيام رمضان من العام 1987 كان وزميله في المدرسة يصححان أوراق امتحانات الفصل الأول، وكان يتعين عليهما حينها ملء ثلاثة نماذج ورقية بدرجات الطلبة، فأخذهما الوقت دون أن يدركا أن موعد الإفطار قد حان.

يقول بن فارس: نظرت إلى الخارج صدفة فوجدت أن الظلام قد حل، حينها تيقنا أن جميع من يحيط بنا قد أفطر إلا أنا وزميلي، وعلى الفور توجها إلى منزليهما من أجل مشاركة عائلتهما بعض ما تبقى من الإفطار، والمشكلة كما يرويها صاحب الموقف أن في تلك الفترة لم تكن الموبايلات متوفرة، وحينما وصل خليفة بن فارس إلى منزل أسرته قبل أكثر من عشرين عاماً وجد الجميع في حالة قلق وخوف، فقد انتظروه وقت الإفطار ولم يأتِ فظنوا أن مكروهاً قد أصابه، لا قدر الله.

وقبل أكثر من عشرة أعوام سافر خليفة بن فارس مع والديه وعائلته لقضاء الإجازة في المغرب وإسبانيا، وشاءت الأقدار أن حل عليهم الشهر الفضيل وهم في تلك البلدان، فصام الجميع في بلد الغربة والسفر، وحينها كانت المعاناة التي لا تغيب عن الذاكرة كما يؤكد بن فارس.

نهار طويل

ويضيف أن الصيام في تلك البلدان كان صعباً جداً، وهو ما ترك أثراً نفسياً سلبياً لدى الجميع، فنهار اليوم هناك طويل جداً وظروف العائلة لم تعتد الصيام والإفطار في أجواء غير التي اعتادها ضمن ثقافة وتقاليد أهل الإمارات، فكان الإفطار يأتي بعد يوم ممل ومتعب وفي المساء لا تجد العائلة متسعاً للترويح عن النفس، وبالتالي جاءت تجربتهم الرمضانية في بلاد الغربة على غير ما توقعه أحد، وسريعاً اضطرت العائلة إلى إلغاء فكرة الإجازة والعودة إلى دولة الإمارات لإمضاء ما تبقى من شهر رمضان بروحانيات أهل البلد وثقافته.

بالإضافة إلى استعادة سهولة الصوم بفعل قصر نهار اليوم في الإمارات في ذلك الوقت قياساً مع ما كان في بلاد إسبانيا والمغرب العربي، وتلك تجربة عائلية لا تخلو من المواقف الطريفة والصعبة والتي لا تهملها ذاكرة خليفة بن فارس الرمضانية.

وفي عقد الثمانينات من القرن الماضي، وحينما كان بن فارس يعمل مدرساً في دبي، كان يضطر أحياناً للتأخر في المدرسة لأيام محددة من أجل إنجاز المزيد في عمله، وكان يتفق مع زملاء الدراسة على المشاركة في إفطار جماعي في المدرسة، وتلك المواقف لا تذيبها السنوات من ذاكرة خليفة بن فارس.

ويسرد خليفة بن فارس مقارنات رمضانية بين الماضي والحاضر، وهو يقول إن رمضان سابقاً ظل يمتاز بمتانة العلاقات الاجتماعية بين الأهل والأقارب والجيران وأبناء الحي كاملاً، فتجد النهار مفعم بالعمل والاستعداد المادي والمعنوي للإفطار، فيما الليل تفوح منه أجواء روحانية ودينية واجتماعية كثيرة، لا سيما ملامح التزاور بين الجميع، أما الصغار فكانوا يشاركون في أداء الصلوات ويجتمعون بين البيوت وفي الحارات لممارسة الألعاب التي يفضلونها.

دبي ـ عنان كتانة